سلام قاتل ، أم حربٌ بنّاءة ؟

الأحقاف نيوز / كلمة الأسبوع / خاص / 04 يوليو 2024 م :

تتوارد الأخبار المسرَّبة من قاعات محادثات السلام اليمنية الجارية في عمان الشقيقة باستحياء عن سلام يحبو نحو التحقيق وإتفاقٍ يقترب جامعاً شتات المواقف بين فرق الصراع اليمني الذين يبدون كالواقفين على ناصية شارع معدوم المعالم يتطلعون لمن يهدي توهانهم ويرسم لحيرتهم مستقراً ؛ هل يعودون إلى احتراب أم يستكينون إلى سلام مسكين ؟ .. والأخبار تترى دون أن ترسم معنى حقيقياً لما يجري في مسقط ..

لم تتضح حتى اليوم الرؤية فيما تذهب إليه المباحثات ، هل هي مباحثات ختامية لترسيخ سلام نهائي ؟ أم هي مباحثات توقيع هدنة مؤقتة ؟ هل هي مباحثات تبادل أسرى محدودة ؟ أم هي صفقة تنهي ملف الأسرى ؟ ، أم كما يصفها الراعون لها بأنها صفقة ( الكل مقابل الكل ) كما يتردد ؟ .. كل هذه السيناريوهات كان لها ذِكرٌ وتصريح من المعنيين بها أو من الراعيين لمجرياتها من دولة المكان أو دول القرار في الأزمة .. فالمبعوث الدولي الخاص لليمن / هانز غروندبرغ / كان مبهما في تحديد مهمة المباحثات وسقوفها فقال بنص تصريحه : ( إن جولة المفاوضات الجارية في سلطنة عمان بشأن ملف المحتجزين على خلفية النزاع تجري في أجواء إيجابية وبنّاءة حتى الآن ) مشدداً على : ( استكمال التفاوض حول التفاهم بروح من المسئولية لتحقيق نتائج ملموسة على طريق الإفراج عن جميع المحتجزين على خلفية النزاع بموجب مبدأ ” الكل مقابل الكل ” ) .. وهي لغة تحمل غموضاً حول حقيقة الهدف النهائي من هذه المباحثات لكي تبنى عليه التوقعات العامة لدى الشارع العام في البلاد من إمكانية أن تكون هذه المباحثات نهاية للأزمة ، أو ختاماً لصراع الفرقاء على خلق واقع جديد لمرحلة ما بعد الحرب الطويلة التي انهكت الوطن ولم تسفر عن حقائق تستحق البناء عليها.

فإذا عنينا في توقعاتنا ما يمكن أن تفرز المباحثات عنه في جزئية الحكم المحلي وموقع محافظات الجنوب ، فإنها هي المنطقة الرخوة في المائدة التي تريد أن ترسم لسيناريوهات ( ما بعد الصراع ) لأنها مشتتة الولاءات وقياداتها متعددة المشاريع وتمزقها الولاءات النيئة وتقف على قاعدة فاسدة أسقطت عن نفسها مسئوليات الوطن واستحقاقات المستقبل وبناء أرضيات صلبة للتعامل مع استحقاقات البناء والتنمية وإصلاح ما خربته الأزمة .. ليصبح ما اصطلح على تسميته بـ ( الجنوب ) أكثر الفاقدين لأهلية التمثيل الحقيقي لأنفسهم ..

لقد أفرزت سنون الأزمة في الجنوب جيلاً من القيادات المتحررة من التزاماتها الوطنية وينخر فيها الفساد أكثر مما نخر الفأر في أساسيات السد ، متجردة من كل القيَم الأخلاقية التي يمكن أن يبنى عليها مستقبل الأجيال في هذه البقعة الحميمة من الوطن .. حيث كان الفرز الأزموي في هذه الأماكن وبالاً عليها وأخلاها من كل إمكانيات الإصلاح والبناء والتنمية ، وهو ما ذهبت إليه دول التحالف العربي لضمان أن تبقى تلك المحافظات في منأى عن بناء كيانات سياسية أو عسكرية قوية تستطيع أن ترسخ على الأرض وتوحِّد التوجهات نحو مصلحة وطنية وذاتية واضحة الأهداف والنوايا ترد قبائح ( تحالف العرب ) وسيناريوهاته الدنيئة .. لهذا فإن هذه المحافظات مجتمعة أو ذاتية التوجه ليس لها فيما يُرسم للمرحلة المقبلة صوت يحمي مصالحها أو يدافع عن حقوقها بعد أن دفعت طيلة الأزمة من مقدراتها وكيانها وأمنها وسلامها الكثير ..

فمن ذا الذي يستطيع أن يوصل صرخات الملايين من مواطني تلك المحافظات إزاء إصلاح ما خربته فيهم الأزمة ، وما يجب أن يسير عليه البناء والتنمية لتلك المناطق المنسية والتي دفعت من حقوقها أضعاف مما دفعته أراضي التماس والمواجهة .. وهي المناطق التي كانت طيلة فترات الأزمة تعلن بأن من يدير شأنها لا يستحق أن يمثلها ولا يحمل من شرعية كيانها أي حق .. لأنهم استنزفوا كل مقدراتها ووضعوا أمنها وسلام مجتمعاتها في أيادٍ معادية بغية بناء أنفسهم أو اكتساب مصالح مادية بخسة أو تنصيب أنفسهم بهتاناً على رأس التكوينات المجتمعية التقليدية التي تجردت بهم من أية إمكانيات الفعل والتأثير وصارت خُواءً.

إننا نريد أن نتفاءل ، ولكن المطروح من المواقف والشخوص والكيانات العاجزة تجعلنا أكثر تشاؤماً مما يمكن أن تنتجه توجهات السلام ؛ عنها ما فعلته سنون الحرب بنا ..

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com