كنت عميلاً مجانياً من دون أن أدري

الأحقاف نيوز / خاص
كتب / عدنان باوزير

ما المنظمات (الأممية) المختلفة سوى أذرع ناعمة لخدمة سياسات ومصالح الدول الكبرى، لا جدال حول هذه الحقيقة، وما عاد حتى السذج يصدقون شعارات هذه المنظمات ومبادئها الزائفة، هذه هياكل ومؤسسات مسيسة وليست جمعيات خيرية.
وسوف أتحدث هنا حول جانب نشاطاتها الثقافية، وتحديداً في مجال الآثار والمتاحف عن تجربة، لأنه ببساطة مجال عملي طوال فترة وظيفتي الحكومية.
لطالما تساءلت كثيراً عما مصلحة هذه المنظمات أو الملحقيات الثقافية في سفارات الدول الأوربية وتحديداً الدول الكبرى ذات الماضي الاستعماري المعروف.
أولاً أن لم أكن أؤمن بنظرية المؤامرة لكني لا أنفيها وإن بدأت ونتيجة لتجارب كثيرة أقتنع بها بل وأستطيع حتى في جوانب محددة أن أثبتها.
لقد أبدى الغرب اهتماما مبكراً بتاريخ وآثار اليمن وصاغ علماءه ورحالته قواعد ومحددات علم (اليمنيات) ك (هاليفي) و(جلازر) و (وايزمن) وغيرهم كثير، وأغلبهم بالمناسبة من جماعة (المزنرين) مصادفة كانت أم مقصودة فهذا ليس موضوعنا هنا، هم من وضعوا أسس هذا العلم الذي تم على أساسه إعادة كتابة تاريخ اليمن القديم، حتى الأقلام (الوطنية) التي كتبت في هذا المجال إنما كتبت بناء على تلك الأسس.
في دولة فقيرة كاليمن يعتبر تمويل عمل تنقيب بعثة أثرية في مكان ما ضرب من ضروب الترف وشطحات الجنون، فتكلفة عمل كهذا ستكون كافية لحفر عدد من آبار المياه أو شق طريق ما أو بناء عدد من الصفوف الدراسية أو مستوصف ..الخ، إذن لابد من تكفف تمويل كهذا من المنظمات الأممية أو الملحقيات الثقافية بالسفارات أو منظمات المجتمع المدني غير الحكومية الخارجية، المتلهفة دوماً والمستعدة للتمويل.
وفي ظل دولة فاشلة وفاسدة من المؤهل لنيل الثقة للحصول على التمويل وإدارته كوسيط بين الممول ومؤسسات الدولة الحكومية المختصة ؟ غالباً ما يكون معهد أو جهة أو صندوق أجنبي، ويوجد على المقلب الآخر مسؤولون حكوميون لصوص وطاقم عاطل من التكنوقراط المفلسون والعاطلون ينتظرون أن ينالوا الفتات من هذه المنحة – وأنا أندرج ضمن هذه الفئة- ، مستعدون أن نفعل كل ما تملي علينا الجهة الممولة، صح غلط لا يهم، المهم أن نعيش، لا أحد هنا يملك ترف التدقيق أو المصلحة الوطنية والتحصين من الاختراقات أو أو ، طز هذا ليس من شأننا، وكل ذلك يتم في صبغة علمية وبحثية وفرقعات إعلامية فارغة لزوم الحبكة، نعم قد تتقاطع في أحيان كثيرة المصالح لكنها بالمقابل قد تتضاد، وعندما تتضاد فالمموّل هو صاحب القرار الأول.
لا مجال للتفصيل هنا ولكن بجملة واحدة فقط :
من يملك حاضرك وأصبح كذلك الآن وعبر هذا النشاط الثقافي يملك أيضاً حتى ماضيك، سيملك بكل تأكيد مستقبلك.
في هذه الجزئية وبنظرة أعم ولكي نريّح أدمغتنا الجامدة من جلد الأسئلة، كان يقال لنا في أي تساءل أو لحظة حيرة حرجة : لا تتعب نفسك، أنت وغيرك ومن هو أكبر منك لستم سوى بيادق يحركها في بلدك التعيس هذا وفي العالم بطوله وعرضه مجلس هو (مجلس إدارة العالم) ، وكل ما تسمع من أحداث وتغيرات فما هي الا بمعرفة وبطلب وإدارة من هذا المجلس، حتى تلك (التمردات) أو محاولات الخروج عن النص هنا أو هناك، فهي تنفيس ولعبة من ألاعيب ذلك المجلس وليس كما قد يتوهم البسطاء!
يعني أنت كشخص أو بلد أو ثقافة ما أنت سوى مسمار لعين في دولاب هذا المجلس يدور بمشيئته بدون أدنى إرادة ولا فكاك .. لا فكاك.
ووفق هذه النظرة الانهزامية المطلقة لا تستغرب تفسير (المرتزقة) والأنظمة العميلة لأعمال أنصار الله الحالية البطولية في البحر الأحمر!
يعني اختراق الأنصار الأمني غير المسبوق الذي أعلنوا عنه أمس والمتمثل في ضبط خلية تجسسية تديرها السفارات الأمريكية وموظفو بعض المنظمات الأممية ، ليس سوى تأكيد المؤكد، يعني الاتهامات التي أسوقها الآن أصبحت اتهامات بالدليل والإثبات ، هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل.
فهذه المنظمات والسفارات ليست بحاجة سوى لشوية عملاء مجندين ليتحول معهم وبواسطتهم قطاع آخر من الشعب الى عملاء غير واعيين.
بالعودة الى عنوان المقال:
عملت في تجارب كثيرة بالاشتراك مع هكذا منظمات، كان أكبرها وآخرها هو مشروع ضخم لتطوير المتحف الوطني بصنعاء، بتمويل من عدد من السفارات الأوربية وكذلك سفارة أمريكا بصنعاء ثم انظمت حتى الحكومة اليمنية، الحكومة اليمنية التي لا يمكن أن تساهم حتى بريال واحد، أحضرت (بربارا بودين) سفيرة أمريكا القوية رئيسها (الدكتور الإرياني) على ملأ وجهه للمتحف عن ليعلن تبرع الحكومة بنصف مليون دولار وكل ذلك كان تحت المظلة الهولندية صاحبة المبادرة الأولى، مشروع قيل لنا في بدايته أنه سيحوّل المتحف الوطني بصنعاء الى أكبر وأحدث متحف بالشرق الأوسط.
والمتاحف كما تعرفون هي ذواكر الشعوب المادية وقوالب صياغة هويتها، مشروع كان في ظاهرة حلم جميل أندمجنا كلنا فيه، ولكنه فشل بعد خمس سنوات بعد أن انتهت مدته بعد التمديد من دون انجاز أي شيء من هذا الحلم عدى ترميم مبنى المتحف ومحيطه ترميماً بسيطاً فقط.
ذهبت ملايين الدولارات في دراسات وسفريات الخبراء الأوربيين واقاماتهم وفي سلسلة من ورش العمل العقيمة دون نتيجة، وفشل فشلاً ذريعاً نتيجة تنافس السفارات الممولة على رئاسة المشروع ونتيجة الاستنساخ الغبي لتجارب جاهزة من ثقافات غريبة أخرى.
كنت أنا بجهل أو على الأرجح ببعض المعرفة كبير (مرتزقة) فريق إعداد المعارض بمشروع المتحف، كنت ال (كوردنيتر) تبع الفريق، كما كنت (عميل) متطوع مجاني أو بالأصح ليس مجاني ولكن نظير فتات الدولارات، كانت أتعابي دولار ونصف بالساعة، كنت أعلاهم أجرا، وكان الخبير الأوربي ساعته ب 300 دولار والحسابة بتحسب، ليس حسد مني فقد كان فتاتي يكفيني لأعيش عيشة مميزة عن أقراني من الموظفين الحكوميين المسحوقين.
ستلومني ؟ حسناً تعال لنتناقش وسوف أكون ندا صلبا وأقنعك بأني كنت مجرد موظفاً صغيراً ومضطهداً ومضطر أن (أقرط) فتاتي وأسكت وما كان يكون.
قناعاتي الخاصة لا تهم المهم أن أعيش طالما غيري من اللصوص الكبار هم من يتخذون القرارات ويتحملون وزر ذلك.
الشاهد وهذه الجملة المفتاح في كل المقال :
كنا نخوض نقاشات خطيرة جدا على المدى الطويل وعلى الهوية والثقافة اليمنية، كأن نقرر هذا القرار المصيري:
هل نحن يمنيون مسلمون أم مسلمون يمنيون ؟؟
وعلى ضوء إجابة هذا السؤال المحوري سيقوم كل المعرض وستكون الرسالة المتحفية للجمهور !!

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
المزيد..

كلام حول العلم

الأحقاف نيوز / خاص كتب / عدنان باوزير أولاً وقبل كل شيء ندين المسرحية السخيفة التي حصلت أمس…
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com