ديناميكية الأنصار… حركة (الحركة)

الأحقاف نيوز/ خاص
كتب/ عدنان باوزير

يتفق الجميع حول حقيقة أن هذه الحياة في حركة دائمة، ديمومة الحركة هذه تشمل كل الكون من أكبر جرم إلى أصغر ذرة فيه، لا مجال للتوقف، فالتوقف يعني ببساطة الموت، فإذا لم تتقدم للأمام فسوف تتقهقر للخلف، وما لم تصعد سوف تنزل وتنحدر، ولا يوجد هنا بين البين، هذه حقائق علمية لا تحتمل الجدال.
وإذا كان هذا ينطبق على الحياة عموم فمن باب أولى أن تنطبق هذه القاعدة على الثورة وهي فعل ثوري متواصل ودائم مع زخم ثوري مواز، وعندما يتوقف الفعل الثوري وتهرم الثورة وتتحول إلى هياكل جامدة، فأعلم أن في أحشائها تتولد ثورة جديدة سوف تطيح بها، ومشكلتنا أبدا لم تكن يوما مع توالي الثورات بل هي مع تناسخها حيث تنسخ كل ثورة ما قبلها ولا تكملها فتضيع الخبرات المتراكمة ويهدر الجهد الثوري المنجز.
استنادا على ما تقدم وبنظرة خاطفة على الخارطة السياسية المحلية في مرحلة اللا حرب واللا سلم هذه، نجد أن الأنصار هم أبرز المستفيدين منها، وهم في حركة دؤوبة ومستمرة كخلية نحل، وعلى العكس تماما فالمشكلة معهم ليست باحتمالية جمودهم من عدمه، بل في عجز المراقب عن مجاراة سرعة انطلاقتهم، فهم منطلقون كالرصاصة وغالباً ما يتركونك تلهث خلفهم ولا تستطيع مواكبتهم، وهم في سباق دائم مع الزمن، مع بدء انطلاقة الحركة كان يقال –شعبيا- إن الأنصار فاصلين ( الريوس ) لكن هذه المقولة ما عادت تصح عليهم، بل قل إنهم فاصلون ( البريكات ) تماما أو بالأصح قالعون ناقل الحركة كله ومنطلقون دون استعمال عصا التعشيق، انطلاقة واعية بطبيعة الحال، فهم يشتغلون على كافة الأصعدة، وبالمقارنة مع إمكانياتهم المحدودة والظروف الصعبة التي يعملون فيها، يعتبر هذا عملا خارقا بكل معنى الكلمة، يعيدون البناء العقائدي الإيماني ويمتنونه بأشكال مختلفة، لبنة لبنة ومدماك مدماك، وهو الأهم نظرا لطبيعة الحركة، ويرسخون أرجلهم على الأرض، يضاعفون قدرتهم العسكرية وترسانتهم الحربية بشكل مطرد، وفي موازاة هذا الجيش المتنامي هناك الرديف الأمني والمخابراتي الذي يسجل كل يوم إنجازات كبيرة ويحصنهم ضد الاختراق الدائم كحركة مستهدفة، وفي السياسة والإعلام بشقيه التقليدي والإلكتروني، ومهاراتهم الإدارية والاقتصادية والتنموية –إلى حد ما- وربما هنا تكمن مشكلتهم الوحيدة نتيجة لنقص الموارد لكن هذا ليس عائقا رغم صعوبته، ويطورون مهاراتهم الإدارية ويوطدون العمل المؤسساتي… إلخ.
هم في حركة دائمة منذ إطلاق خياراتهم الاستراتيجية والتي آتت أوكلها وثبتت معادلات جديدة وليس انتهاء بإطلاقهم ثورة التغييرات الجذرية، والتي تم تأجيلها وإعادة تحديد الأولويات بعد أن استجد وضع العدوان على غزة، والذي فتح لهم آفاقا أرحب وتحديات جديدة وكبيرة يواجهونها بكل اقتدار وقد فُتح لهم المسرح العالمي وذاع صيتهم، وفي هذا التحدي المستجد أيضاً الحركة دائمة ومستمرة وما أن تذهلك كمراقب مرحلة حتى يفاجئوك بالانتقال إلى مرحلة جديدة قبل حتى أن تستوعب الأولى وهكذا، ولا تستطيع ومهما كانت معطياتك بالتنبؤ بطبيعة هذه المراحل، مرحلة مرحلة دون الاستعجال بحرق المراحل حيث تقع كثير من الثورات في هذا المحذور.
وعلى المقلب اليمني الآخر المتمثل فيما يدعونه ب (الشرعية)، ووفقا لقاعدة ديناميكية الحركة، ماذا يجري؟ فيعتبر الجمود لو حصل بمثابة إنجاز كبير لهذا المكون، ولأن الجمود لا يستقيم مع نظرية الحركة فقد تحول كنتيجة طبيعية، ولا يوجد شيئا أصلاً يمكن الحديث عنه غير بثلاث كلمات فقط: لقد أفضى الجمود إلى حالة من التقهقر والتفكك والتلاشي، فقد تحول مثلا قميص (الشرعية) الذي يرفعه العدوان إلى مجرد أسمال بالية لا تستر حتى مؤخرة رقاصة شرقية، ولم يبق مثلا من زخم حزب الإصلاح سوى بقية آثار حمرة من لحاهم المصبوغة وتبخر كل ما عداه، وماذا ظل لدى (الانتقالي) مثلا كجناح آخر لهذه (الشرعية) لا شيء سوى خرق ملونة تعلق على أعمدة الإنارة جنبا إلى جنب مع صور (عيدروس) وتمثل علم دولة الجنوب المنشودة!!
وهؤلاء جميعهم ورغم حالتهم المزرية مدينون ببقائهم إلى الأنصار أيضا والعكس ليس صحيحا، فما الذي يجبر السعودية مثلا على التمسك بأسمال (الشرعية) البالية؟ لا شيء سوى وجود أنصار الله، وما الذي يمنع إطلاق رصاصة الرحمة على كيان الإصلاح المحتضر؟ وجود الأنصار يبقيهم كورقة بيد السعودية، وما الذي يجعل الإمارات ترعى وتضخ الأموال إلى عصابات البلطجة في مثلث (الدوم)؟ وجود الأنصار كقوة وطنية في الساحة تنسف كل مشاريعها، وهكذا قس على بقية الدواعش والطواهش ودكاكين الناصرية والاشتراكية وغيرهم!!
وعودا على بدء لا يمكنك أن تحجّم أو تضع الأنصار ضمن إطار ضيق معين، فهم وكما أثبتت أفعالهم قبل أقوالهم قوة بحجم وطن، بل صاروا الآن بحجم أمة.
هل يمكنك مثلا أن تصنف زعيمهم السيد عبد الملك الحوثي كزعيم سياسي نمطي؟
قطعا يستحيل هذا التصنيف، فالزعيم السياسي يحسب دائما بحسابات الربح والخسارة، وببراغماتية بحتة، وهذا لا يشبهه بالمطلق.
هل هو ثائر أممي؟ حتى هذا التوصيف لا يصح، فالثائر ورغم كل جرأته إلا أنه يتحرك ضمن إطار محدد ومحكوم بخطوط حمر لا يستطيع تخطيها أو القفز عليها، كما أن الثورات عادة ما تأكل خيرة أبنائها وتسوق آخرين إلى المقاصل، وتتفرق بكثير منهم الاتجاهات والسبل.
هو ببساطة من وجهة نظري، وكما أثبتت التجارب، وسوى أعجبك التوصيف أم لم يعجبك، وسوى يصح هذا أو لا يصح، فهذه كلها تفاصيل، هو ببساطة:
ثائرا حسينيا رباني يقود مسيرة إيمانية نحو هدف إنساني مقدس!!
وببضع كلمات فقط دعونا نحاول أن نستشرف بعض المراحل القريبة، رغم أن هذا يعد كقراءة الطالع فلا تتوفر أي معطيات يمكن البناء عليها، وكيفما كانت توقعاتك فسوف يفاجئك الواقع ويذهلك فعلهم الثوري الجامح.
إذا كان فعلهم الثوري والديني الوطني والقومي والإسلامي والإنساني السامي في البحر الأحمر لنصرة غزة قد تدرج خلال مراحله الثلاث الأولى من منع سفن الكيان الغاصب والمجرم والقاتل في غزة، من مسرح عملياتهم في البحر الأحمر إلى باب المندب وخليج عدن ثم البحر العربي وصولا لأقصى مداه في المحيط الهندي، وضد من؟ ضد إسرائيل التي لا تجرؤ على المساس بها أي قوة، ولو بكلمة، ومن خلفها أكبر إمبراطورية عسكرية في الكون وبقية حلفائها من أكبر وأعتى القوى الغربية الاستعمارية، وكان هذا هو أقصى مدى الجرأة والقدرة وذروة الشجاعة والإقدام، ثم جاءت المرحلة الرابعة التي أطلقوها في تصعيدهم لتمتد الى البحر الأبيض المتوسط، في تحد لا يُصدق وقدرات ما كان يتوقعها عقل ولم ترد على بال محلل، لتصور كل ما مر من قبل بأنه ليس سوى نزهة مقارنة بهذه ، فماذا بربك تتوقع أن تكون مراحل تصعيدهم القادمة والتي بدئوا بالتلويح بها إذا ما أستمر العدوان على غزة وحصارها؟؟
ماذا يمكن أن تكون هذه المراحل المقبلة؟
وسأترك لشطحات خيالي هنا أن تناطح المستحيل، هل يمكن مثلاً أن تمد المرحلة الخامسة من هذا التصعيد بنطاق عملياتهم الى الأطلسي؟ أو تحملهم المرحلة السادسة الى الهادي؟ لما لا؟ وهذا ليس خيال علمي بل مبني على ما سبقه من المراحل السابقة، فهل كنت تتوقع مثلاً أو أي أحد آخر غيرك وبحسب المعطيات المرئية والمعروفة، أن يمتد تصعيدهم من البحر الأحمر الى المندب ثم خليج عدن والعربي وصولاً الى المحيط الهندي وليس انتهاء بالبحر الأبيض؟ أليس هذا كان أيضاً بمثابة محض خيال من قبل؟؟!!

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com