لكي لا يقتلك الذهول وحتى تفهم .. أذهب لزيارة جامعة (وادي مطرة) بصعدة

الأحقاف نيوز / خاص
كتب / عدنان باوزير

هل أنت منذهل مما يجترح الأنصار من معجزات في أداني وأعالي البحار ؟؟
الى درجة قد ترقى الى التشكك وعدم التصديق ؟؟
لا تذعر هذه حالة طبيعية جداً فما يحصل هو شيء يفوق سقف توقعاتنا
أنا مثلك في قمة ذهولي ، ولولا البراهين والأدلة الدامغة لما صدقت ما يجري
رغم أنني أزعم أني أنصاري بالفطرة ، وقد طفقت ومبكراً – نوعاً ما – أتتلمذ في كتاتيب الأنصار منذ ما قبل (دماج) و (كتاف) وما زلت ، وتجدني أستميت لأعوض عقدة نقصي في تفويتي صفوف جامعة (وادي مطرة) بصعدة ، ناهيك عن (كورسات) الإعداد التي سبقتها ، ربما نتيجة حالة غفلة أو ربما خوف وجلة أو ربما لكوني لا أستحق أن أحظى بذلك الشرف الرفيع ، ولو فعلت لكفتني ولأحرقت جميع شهاداتي .
وأجزم أن مثلي كثير من الأنصار والإيمان يا صديقي كما تعرف درجات ..
وحدهم فقط خريجو جامعة وادي مطرة لا يفاجئهم ما يحدث ، ويرونهم نتيجة طبيعية جداً ومجرد محطات مُنتظرة تأتي في سياق متوقع للغاية ، لماذا ؟؟ لأن أحلامهم بلا سقوف ولأن عزائمهم أمضى من السيوف .
هل سمعت عن جامعة وادي مطرة بصعدة من قبل ؟؟
هل سبق لك أن زرت موقع الجامعة المتحف المصنع كما فعلت أنا ؟؟
– عموماً هي قد أغلقت أبوابها منذ 2010 وتكتفي الآن بالتعليم عن بعد أو ربما عن قرب ولكن ليس في حرم الجامعة الوادي ، ولم تخرج سوى دفعة واحدة من 2004 – 2010 ، دفعة واحدة ولكن أي دفعة ، دفعة أمة –
حسناً كيفما كان الحال ، ولكن لتزول عنك حالة الذهول الرهيبة التي تهيمن عليك لابد لك على الأقل أن تذهب لزيارة ذلك الموئل الأول ، كأول لبنة حقيقية فعلية وضعت في مدماك المسيرة القرآنية .
لا توجد هناك مدرجات محاضرات ولا مبان جامعية نمطية كما هو الحال في الجامعات الأخرى ، هناك صُب الإيمان صبا وعُجن بدماء الشهداء الزكية وعرق الكادحين المعفر بتراب هذا الوطن العظيم ، ودموع الصابرين الأباة ، وإرادة وعزم المستضعفين المقهورين ، ويمزج بثقافة إيمانية نقية وصافية ، وقيّم نبيلة حميدة تم بعثها من جوهر شخصية هذا الإنسان اليمني ومن تراثه الأخلاقي والإنساني والحضاري الثري والناصع ، ثم صُهر الخليط تحت نار المعاناة والقمع والقصف والجوع والحصار والتي أذهبت عنه أي خَبثَ محتمل ، ليخرج لنا في بوتقة واحدة موحدة كأروع وأقوى وأنقى ما تكون الثقافة ، هذا هو ببساطة منهج تلك الجامعة الأساس ، بالإضافة الى شذرات من ملازم الشهيد المؤسس ورؤيته القرآنية في بناء المجتمع وتحصينه وصولاً نحو الانعتاق المرجو والمحتم .
محاضراتها الدراسية هي تفاصيل وأحداث الحياة اليومية ومراحل بناء الشخصية الإيمانية معنوياً ومادياً لبنة لبنة في جو مشحون بالتحديات والأخطار الجسام .
وعلى حد علمي أنه وهذا سر آخر عجيب من أسرار عظمتها لم يفشل فيها أو ينسحب منها أحد ، ولم يغادرها أحد ، حتى من ترجل من على صهوة جواده من طلبتها وأرتقى شهيدا ، دُفن في روضة شهدائها هناك ، ونجح الجميع مع مرتبات الشرف العليا ، ربما لكون المنتسبين اليها هم من الصفوة ، أو ربما لكونهم قد ألتحقوا بها بإرادتهم الكاملة ولم يرغمهم أحد رغم إدراكهم المسبق بصعوبة اجتياز مراحلها الصعبة .
وبالمناسبة هي لم تخرج رجالاً وحسب بل خرجت رجالاً ونساء ، فهناك كانت أيضاً عائلات كثير من قادتها ومنتسبيها ، وعاش الجميع تفاصيل ومراحل تلك المرحلة تفصيلاً تفصيلا .
عوداً على بدء وتجنباً للإطالة ، نعم ومن أجل أن تزول عنك حالة الذهول المطبق هذه ، وهذا شيء طبيعي لأنك قد قفزت مباشرة الى النتائج والنهايات – أعني نهايات تلك المرحلة وليس نهايات التجربة الثورية فما زالت المسيرة في فورة عنفوانها وزخمها – ، لأنك قفزت الى النتائج ولم تمر بالبدايات لتفهم ما يجري ، وعليه لابد لك لتفهم أن تعود الى نقطة البداية وأن تذهب الى هناك .
سترى هناك كيف كانت البدايات ، ستشاهد منزل القائد وهو عبارة عن حجرة صغيرة من (البلك) سقفها عبارة عن لوح أبلكاش مكشوف ومساحتها لا تتجاوز 4 متر مربع أو أكبر قليل أو أقل ما عدت أتذكر بالدقة ، وبجوارها غرفة أخرى تشبها هي مسجده الخاص حيث ينقطع فيه للعبادة ، وجنبها ملحقاتها وتحديداً حمام صغير بدائي ومكتب عبارة عن جرف صخري طبيعي وجدار واحد من البلك أيضاً من جهة واحدة ، ومن هذا (المكتب) كان يدير القائد هذه المؤسسة التعليمية والعسكرية والتربوية ..الخ ، ولن تجد أي أثاث حقيقي لا طاولة ولا كرسي ، عدى بعض الحصر القاسية البسيطة وجهاز تلفزيون صغير جداً اظنه لا يتعدى العشرين بوصة كان عبره يتابع أخبار البلد وأخبار العالم الأخرى ، وجهاز اتصال (لاسلكي) داخلي للاتصال بمواضع الموقع المختلفة ، وعلى بضعة أمتار كان يقع (منزل) عائلته ولك أن تتخيّل أقسى صورة من شظف العيش وبساطته وصعوبته على حد سوى ، وقد قصف هذا المكان مرات عديدة خلال الحروب الأربع اللاحقة وأعيد قصفه أكثر من مرة خلال العدوان الحالي على اليمن .
وعلى نمط منزل القائد تتناثر في جروف وشعاب الوادي منازل بقية القادة والمنتسبين وعوائلهم .
سترى في ظل صخرة كبيرة القسم الإعلامي ، مجرد جرف صخري خال من أي أجهزة ، هذا الجرف تطور اليوم ليضم مختلف قنوات الأنصار الفضائية ومواقعهم الالكترونية وصحفهم ..الخ ، وبالضبط وفي موقع يماثله على الجهة الأخرى من الوادي يقع القسم لثقافي ، هنا كان يُستقبل المنظمون الجدد ويجري أعدادهم ثقافياً وبناء المؤسسة الثقافية الحالية ، وفي ساحة خالية بأقصى الوادي وبموقع محصن جغرافياً بتضاريس صعبة سترى أول معسكر تدريبي للأنصار ، من هنا كانت البداية ومن هنا تكونت هذه الفيالق العسكرية الضاربة التي نراها اليوم ، وفي منتصف الوادي ستشاهد جدران بسيطة عبارة عن أحجار موضوعة فوق بعضها بدون أي روابط أو لدائن ، اخلع نعليك فأنت أمام مسجد الأنصار الكبير في (مطرة) ، وفي مكان ما يقع جرف آخر يطلقون عليه مجازاً (القسم الطبي) ، هنا كان ممرض بسيط من منتسبي الموقع يجري عمليات جراحية بدون تخدير وبأدوات بدائية وببعض المضادات الحيوية فقط ، وفي هذا المكان أستقبل القائد وفود الوساطات المحلية والعربية (القطرية) إبان الحرب الرابعة أو الخامسة لا أتذكر ، وأكثر ما لفتني وهو من عجائب هذه المؤسسة ، هو (قسم التصنيع العسكري) !! في عدد من الجروف والغرف البدائية وأكواخ عشش الخوص المموهة كان يجري صهر المعادن المجمعة من النفايات ومن بقايا ومخلفات قذائف الحروب التي شُنت عليهم ، ثم تصب في قوالب بدائية وتُصنع الذخائر ، وهناك في كوخ بائس توجد آثار لوحة خشبية كُتب عليها بخط يدوي (قسم الأبحاث) !! هنا وبمصادر بسيطة وشائعة على الشبكة العنكبوتية كانت تُطور الصناعات الحربية ، أنتبه جيداً ، فهنا ومن هنا تحديداً نشأة هذه الترسانة الضاربة من المسيرات والصواريخ التي تذهلك اليوم ، هذه هي اللبنة الأولى ولا تصغي للإشاعات ، فلا توجد هناك أي جمعيات خيرية توزع أسلحة لحد ! نعم ربما – وهذا استنتاج شخصي مني ولا أملك أي معلومة – قد يكون أحد ساعد بمشورة عن بعد أو عن قرب لا أدري ، ولكنه جهد يماني صميم ومذهل وخارق .
وفي طرف الوادي يقع منزل العلامة الأب بدر الدين بن أمير الدين الحوثي ومسجده الخاص بنفس نمط البساطة وشظف العيش السابق بالضبط .
وتتناثر في أرجاء ومداخل الوادي بعض (نوبات) الحراسة البسيطة ، ومن هنا ومن هذه البدائية الأمنية نشأة وتطورت العقلية الأمنية والاستخباراتية لتصبح مؤسسات محترفة ، ما زالت تستعصي على اختراقات الأعداء الدؤوبة والمتكررة ، ومثلت حصن أمني حصين يحصن مناطق نفوذهم التي نعرفها اليوم .
وقس على البدايات الأمنية السابقة تطور جميع مهارات الإدارة والتمويل والنقل واللوجستيات وشتى نواحي الحياة الأخرى .
وستشاهد خلال تنقلك عبر سواقي ومجاري الوادي الوعرة ، عدد مذهل من تجاربهم الريادية في الاتصال والكهرباء وحفر آبار الشرب وتخزين الماء وحتى بعض التجارب الزراعية الصغيرة .
هنا درسوا .. هنا تدربوا .. هنا قاتلوا .. هنا صلوا .. هنا أجتمعوا .. هنا أكلوا وهنا شربوا .. وهنا سقط شهدائهم .. وهنا دفنوا .. وهنا احتفلوا ذات يوم بزفاف أحد شاب الموقع ولكن صاروخ من طائرة مغيرة أخذ العريس وعروسته الى السماء في ليلة زفافهم .
قصص لا تنتهي وحكايات مذهلة وتفاصيل صغيرة ، إذا ما ربطتها ببعضها ستروي لك القصة الكاملة وسوف تفهم كيف وصل الأنصار الى ما وصلوا اليه من أعمال عسكرية مذهلة تقارع أعتى أمبراطوريات العالم البحرية وإذلالها !!
لابد من فهم ودراسات البدايات المتواضعة جيداً بالأول لتفهم النتائج التي تذهلك اليوم وتحاول أن تفسرها وأن تضعها في سياقها الحقيقي لتكتمل الصورة .
أذهب الى هناك وزر هذا الموقع المؤسسة والجامعة صانعة الرجال والقادة العظام ، أذهب وحسب وسوف تروي لك الأحجار والجروف والكهوف والشعاب القصة بدون أي عناء ..
وختاماً إذا كانت السياسة كما يدعونها هي (فن الممكن) فإن أكاديمية وادي مطرة هي فن الا ممكن ، فن الغير ممكن ، فن تطويع العدم وتحويله لشيء له معنى ومفيد ، هي الصفر الأول في عداد الأنصار الفلكي المتنامي والمتضاعف كل يوم ، هي اللبنة الأولى وكفى !!
وبعبارة واحدة : في ظل ظروف الاستحالة تلك ، لو سألت أصغر مجاهد فيهم حينها : أفي هذه الظروف الصعبة والامكانيات المنعدمة والبدايات المثيرة للسخرية والباعثة على الإحباط واليأس – من وجهة نظرنا نحن – ، لو سألته : أبهكذا وضع سوف تقارعون أمريكا وبريطانيا وإسرائيل وتحطون رؤوسكم برؤوسهم ؟؟ لقال لك ببديهية وبدون أدنى تفكير : نعم سنفعل ، وقد فعلوا ، ورب الكعبة قد فعلوا !!

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com