لا تبك على من مات بل أبكي على من خان

الأحقاف نيوز / خاص
كتب / عدنان باوزير

(وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)
خيانة ومصدرها خان وتعني عدم صيانة العهود والمواثيق ونقضها أو الإتيان بعكسها ، والخيانة أنواع ومنها خيانة الشخص لحبيبه أو صديقه ، أو خيانة الإنسان لمبادئه وقيمه أو لعهوده التي أقسم عليها ، وهناك خيانة الأمانة التي أؤتمن عليها ، كتصرّف الشخص لفائدته أو لفائدة غيره في مال منقول مملوك للغير بسوء قصد أو تصرّف فيه خلافاً للغرض الذي سلّم له من أجله ، ومنها حتى خيانة الرجل لنفسه وأعظمها على الأطلاق هو خيانة الوطن أو الأمة والتي تفسرها بعض الدساتير – كالدستور الأمريكي مثلاً – بأنها تعني شن حرب ضد الوطن من قبل مواطن او مجموعة من المواطنين والتعاون مع العدو ضد بلده .

الخيانة سلوك مشين لا تقدم على إقترافه غير النفوس الدنيئة وتعافه وتنبذه بل وتتقزز منه النفوس الأبية ، لأنه سلوك مخالف للفطرة الإنسانية السوية ، والخيانة هنا ليست هي مجرد التحوّل او التغيّر فهذا أمر مكفول وهو سنة الحياة وسبحان الدائم الذي لا يتغيّر أو يتحول ، ولكنه هو التغيّر والتحوّل مع حمل العهد المفترض والإقرار به أو التظاهر بالتقيّد به .

والخيانة ليس مجرد سلوك قبيح فحسب بل هو مجموعة قبح متكاملة ، سواء ان كانت بالسر او بالعلن فالأمر سيان الا أن بعض النفوس بلغت درجة من الوقاحة والصفاقة الى حد التباهي بالخيانة على المستوى الفردي أو الجمعي كما هو حال مرتزقة العدوان اليوم .
ومن الصعب جداً إخفاء الخيانة مهما أؤتي مرتكبها من مهارة التخفي لكنها أثم كبير يصعب التستر عليه ولو أستمرت فترة من الزمن الا ان الانكشاف هو مصيرها ، فرائحتها التي تزكم النفوس لا تلبث أن تفوح في الأرجاء وتحوّل صاحبها الى مجرد جيفة متحركة ، وهي مدانة ومنبوذة في كل المجتمعات والشعوب عبر التاريخ ، ولا يجب عارها غير الموت مع أنها تستمر الصفة لصيقة بمن حمل وزرها حتى بعد الموت وتظل عاراً يكلل عيال وورثة الخائن ، وكل من سقط في بئر الخيانة السحيق فهو أسيرها الى الأبد .
والخيانة ليست وجهة نظر أو تعبير عن الخلاف والاختلاف لذلك فهي صفة مذمومة عند الله وخلقه على حد سواء وقد حذر الله منها بل ومن مجرد الاقتراب من الخونة ونبذهم حين قال في كتابه العزيز {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء} ، وعلى الصعيد الشخصي الأمر ذاته فليس من العفو او الصفح التسامح مع الخائن او مخالطته ، فالصفح عن الخائن يعد بذاته محض خيانة ، لأن من خان مرة فسوف يخون مرات حتى يصبح خوان – الخوان صيغة لاستمرارية الخيانة ومضاعفتها – فالنبيل لا يخون البتة مهما كانت المغريات ، والأصيل لا يتغيّر قبل أن يبرأ ويتحلل من العهد او العقد الأول الذي يكبله .
تنافس الشعراء والأدباء في وصف الخيانة وتقريع أهلها وحثوا جميعهم على البراءة منهم وتطهير الأوطان من رجسهم ، ومن هؤلاء ويحضرني هنا الشاعر الغنائي المرحوم حسين المحضار في رائعته الشهيرة كلاماً ولحنا والتي تغنى بها معظم فنانو حضرموت المحليين والتي يقول فيها :
تحملنا المصائب كلها الا الخيانة ** حمولتها ثقيلة ما وسعها الخن*
رميناها نفلناها عطيناها العدانة* ** هنيئاً للكلاب الحمر لا عدن
وهذا قده رأي أحسن ** لأن الجود ما ينفع مع الخائن ولا الإحسان
إذا قل الوفاء وش عاد با يبقى مع الإنسان
الخن = مخزن السفينة ، العدانة = مكب روث البهائم
ثم يعود بالمقطع الثاني ويؤكد على ضرورة نبذ الخائن لأنه لا يُنتظر شيء منه غير رائحة خيانته العفنة ، وأيضاً حتى لا ينغش به او يقع في براثنه شخص بريء آخر فيقول وأظنه يتحدث هنا عن بئر الخيانة نفسها :
بحثناها* الى القاعة حسبناها عيانة ** ولا شيء ماء ظهر فيها ولا عين
ولا شيء بايجي منها الا العفانة ** وماء البير لا قد قل يتعفن
وقلنا دفنها أضمن ** مخافة لا نغش طارش يعدي فوقها ظميان
إذا قل الوفاء وش عاد بايبقى مع الإنسان
بحثناها = حفرناها ، طارش = عابر طريق او ضيف
ويحذر الإنسان من التسرع ورجم الناس عشواء بهذه الصفة الذميمة أو الإصغاء لكلام الحاسدين كما يحصل في أيامنا هذه كثير ، لكن إذا ثبتت الدلائل والقرائن فمن المروءة التعجيل بنبذ الخائن حفضاً لكرامة وعزة المرء :
كلام الناس ما له عندنا في القلب خانة ** ولا نهتم بالدخان لا دخّن
ولكن من يغطي الشمس ويبيع الديانة ** ومن ينكر أذان الفجر لا أذن
ومن حط في المسامع صن* ** من الحق .. ما أظن عزته وكرامته تنصان
إذا قل الوفاء وش عاد بايبقى مع الإنسان
صن = وسخ الأذن الذي قد يعيق السمع
ثم يختم السيد حسين بحكمة رائعة وبالتأكيد على أن هكذا أمور واردة الحدوث في حياتنا وعلينا أخذ العبرة من تجارب الآخرين :
على الإنسان يأخذ ألف عبرة من زمانه ** يشوف الشعِب كيف أخضّر وكيف أزمن
ولي ما يتعظ يا قطب قلبه يا هوانه ** وبعض الناس عاده لا عزم هوّن
ولا تذكر زمانه أن ** زمن لي كيف يشبه فيه كسرى صاحب الإيوان
إذا قل الوفاء وش عاد بايبقى مع الإنسان

Total
8
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
المزيد..

بين أبرهة وسلمان

الأحقاف نيوز / خاص كتب / عدنان باوزير لا شك أن الاحتلال الحبشي لليمن سنة 525 ميلادي والذي…
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com