لو كان الأنصار (فاسدون) لما صمدوا هذا الصمود ولما قدموا هذا الإنموذج بلا موارد

لو كان الأنصار فاسدون لما صمدوا هذا الصمود وقدموا هذا الأنموذج بلا موارد
الأحقاف نيوز / خاص
كتب / عدنان باوزير

أربع حالات .. مقدمة ضرورية ومقارنة بديهية في عجالة لنفهم الموضوع :
كنا قبل 2011 في دولة قوية ومركزية تمتلك الثروات والموارد وتحصل على المساعدات والهبات والقروض من أغلب دول العالم ، كان هناك نفط وغاز وصل انتاجنا من النفط في فترة ما الى (700,000) برميل يومياً ولا أدري كم متر مكعب غاز ، وكنا نصدر أسماك حتى أننا كنا نحتل المرتبة الثالثة عربياً ، وكانت لدينا سياحة مزدهرة قبل موجة الإ رهاب ، ونصدر منتجات زراعية وغيرها ، وكانت الإيرادات منتظمة والتجارة عال العال ، ونتلقى مساعدات وهبات وقروض من أغلب وأغنى دول العالم ومنظماته وبنوكه وصناديقه ، وموانئ مفتوحة ومطارات شغالة ..الخ ولكن كل ذلك كان يضيع ويتبخر لأن الفساد كان مستشري جداً بل وممنهج وهذا شيء طبيعي ، نعم كنا نعيش في أوضاع أحسن بكثير من وضعنا الراهن ولكن ليس كما ينبغي البتة ، الموارد كلها يلتهمها غول الفساد الرهيب ، والمحسوبيات والرشى والتقطعات والسلب والنهب والبسط على الأراضي العامة والخاصة ، كل ذلك كان شيء عادي جداً وبمثابة خبزنا اليومي ، والأمن كان شكلياً فحسب والحقوق الخاصة والعامة تضيع والبقاء دائماً للأقوى , والدولة حاضرة فقط في الإعلام وفي العاصمة فقط وحتى ليس بأحياء العاصمة كلها ، ولا يوجد تكافؤ في الفرص يُذكر ، والثروة كانت تستأثر بها نسبة ضئيلة جداً جداً بينما عامة الشعب يعيش على الكفاف والشحاتة ، كان فيه مرتبات نعم ولكنها لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات ، أنا مثلاً ورغم أني بدرجة موظف كبير (مدير عام) كان راتبي سبعين ألف ، لا يلبي أقل متطلبات الحياة ، ورغم أني أعتبر منظم الى حد ما ، وما كنت حتى أدفع أيجار وأن فعلت فهو إيجار رمزي لأني أسكن في بيت أنسابي ، ولولا الحوالات المالية الخارجية التي تأتيني من الخارج وما كنت أشتغله من أعمال خاصة لما استطعت العيش ولك أن تتخيّل من هم أدنى مني دخلا !! كان كثير من الفقراء يأكلون من براميل القمامة ، نعم نعم هذه حقيقة وليست ادعاءات وقد شاهدت أنا بأم عيني حالات عديدة لناس يفتشون براميل القمامة ، باختصار هذه حالة طبيعية جداً نتيجة الفساد المستشري .
الحالة الثانية : نفس هذه الدولة وبعد الربيع العربي تغوّل فيها الفساد أكثر ورغم امتلاكها لكل المقدرات السابقة الا أن أعلى هرمها (عبدربه الدنبوع) صرح تصريح معروف وموثق أنهم سوف يصبحون عاجزين عن دفع حتى مرتبات موظفي الدولة بعد ثلاثة أو أربعة أشهر ، أيضاً هذا أمر طبيعي جداً نتيجة ثقب الفساد الأسود الذي يلتهم كل الموارد ونظراً لما كانت تمر به البلد من اضطراب سياسي .
الحالة الثالثة :
المحافظات المحتلة في الجنوب والشمال ، الوضع فيها مزر جداً والناس تعاني الفقر والعوز والحرمان ، رغم أنها ليست محاصرة ولديهم في عدن بنك مركزي ، والنفط والغاز وبعض الصادرات الأخرى مستمرة مضافاً اليها المعونات الخارجية سوى كانت وهمية او حقيقية او مبالغ فيها لا يهم ولكنها موجودة ، والدولة ليست غائبة بل ومنعدمة والناس شغالين مع العدوان اما مرتزقة او متعاونين أجراء او عبيد ، الفقر والجوع والمرض وانعدام الأمن وأوبئة أخلاقية مخيفة وتجريف ثقافي وبلاوي لا يتسع المجال لذكرها هنا ، والفساد هو الشبح الأكبر ، لا ليس شبح بل كائن قمئ مقزز تراه بعينك في كل مكان ويقتلك قهراً وكمدا ، لا أحد ينكر وجوده أو يقلل من حجمه بل أن كثير من المرتزقة صاروا يفاخرون به وأضحى بمثابة ثقافة عامة .
الحالة الرابعة : سلطة صنعاء
نعم أعترف أنني لا أعيش ضمن مناطق نفوذها ، ولا أزعم أني أعرف حقيقة الوضع هناك من ناحية وجود فساد من عدمه ، لهذا لن أتجرأ وأدافع أو أنفي شيء لا أعرفه ، ولكن تعال نحسبها بالمنطق ، ونرى حقيقة الوضع من خلال المعطيات الموجودة والنتائج الظاهرة التي يقر بها الجميع ، نعم نسمع كلام كثير من ناس يعيشون في كنفها عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن وجود فساد ، ولكني أجزم كذا بالمنطق أنها مبالغات ، ولا يخلو الأمر من حالات فساد حقيقية ولكنها سلوكيات فردية ومحدودة ولا يمكن أن ينطبق عليها مفهوم الفساد كما نعرفه ، ولا ندافع هنا عن الفاسدين أو من يراعهم أو يسكت عنهم ، فلعن الله كل فاسد يقتات من عرق الشعب الكادح في مثل هذه الظروف أو في أي ظروف لا يهم ونفس اللعنة تنسحب على كل من يحاول أن يغطيه بأي شكل من الأشكال فهذا أمر غير أخلاقي بل ومقزز ، وأعتقد أن من يتقوّل بتلك الأقاويل اما أنه يردد ما يسمعه من الآخرين بغير وعي ، أو بدافع يبالغ أو بالفعل ثبتت لديه حالات فساد حقيقية ولا احد ينكر وجود الفساد في أي مجتمع من المجتمعات فالفساد موجود بكل زمان ومكان حتى أنه وجد في القرن الهجري الأول من الإسلام بل وفي العقود الأولى كلنا نعرف حالات موثقة عن ولاة فاسدون وجباة زكان سارقون والأمر لا يخلو ، وسلطة الأنصار ليس استثناء فنحن لسنا بالمدينة الفاضلة والأنصار عموماً ليسوا ملائكة ، والكلام هنا عن ما يقوله النقاد الصالحون تحت سلطة حكومة الأنصار أما ما تلوكه ألسن المرتزقة والحاقدين وكل المنضويين تحت لواء العدوان فلا مكان له هنا من الإعراب وغير معنيين بالرد عليه لأنه محض زيف وادعاء وكذب ودعاية مضادة ومغرضة ، ومماحكات سياسية على أقل تقدير ، والآن لو سلمنا ودائماً جدلاً بصحة ما يقال فأرجو من كل من يتبنى هذا الطرح أن يأتي ويقنعنا وبالحجة بطرحه حتى نتوقف عن دفاعنا فلا أحد يريد أن يكون محام للفساد كيفما كان ، ولكني هنا أتساءل فقط ومنطق وبمنتهى التجرد ، وكلنا يعرف كيف ينخر الفساد في بنية أي سلطة ويحيل مؤسساتها الى هياكل فارغة وصدئة وآيلة للسقوط ويستنزف كل الموارد مهما تعاظمت كما رأينا في الحالات الثلاث الأولى .
لو سلمنا كما قلنا بصحة ولو ربع ما يقال عن الفساد في سلطة الأنصار أو بنسبة أقل من هذا بكثير ، من يستطيع أن يقنعني كيف إذن في حالة وجود هذا الفساد المهلك أستطاع الأنصار أن يحافظوا على سلطتهم وعلى بقاء مؤسسات الدولة قائمة كل هذه السنوات ، والله لو وجد جزء يسير مما يقال من فساد لما أستمر حكمهم أسبوع واحد ، كيف استطاعوا وما يزالون إدارة دولة بدون موارد ، فلا نفط ولا غاز والتصدير صفر والمعونات والقروض والهبات صفر والموانئ مغلقة والمطارات متوقفة وبدون بنك مركزي ولا أي وعاء مالي بديل ؟؟ وفي ظل حصار خانق وحرب اقتصادية ومالية وبموارد معدومة ؟؟ والأدهى كيف يمولون مجهودهم الحربي في عشرات الجبهات الساخنة وطوال 8 سنوات من عدوان غاشم مدمر حاقد متعدد الجنسيات ؟؟ كيف يدبرون ذخيرتهم ويصرفون على قواتهم ..الخ ؟؟ كيف يقيمون هذه العروض العسكرية الضخمة ويصنعون ويطورون صناعة أسلحتهم التي وصلت الى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ، والأمن منضبط والحقوق مصانة ، ويحققون ما عجزت عن تحقيقه الأنظمة السابقة في ظروف كانت مواتية وكل تلك الموارد الذاتية والخارجية التي ذكرناها سابقاً ؟؟ وكيف يديرون جوانب ومتطلبات وميزانيات مؤسساتهم المختلفة بدون أموال ولا موارد ومع وجود فساد ؟؟؟ السماء لا تمطر فوقهم بنكنوت !!
لا يحاول أحد أن يقنعني بمبررات واهية أو بسذاجة كما يردد المرتزقة هنا ، ويقول مثلاً ان معاهم مورد كبير أسمه ميناء الحديدة ، ياخي ميناء الحديدة كان ولا يزال ميناء واحد من بين أكثر من عشرة موانئ مفتوحة تمتلكها الدولة في النظام السابق وفي حكومة الفنادق المرتزقة بالمناطق المحررة وكل الموانئ مجتمعة الآن وبأوقات السلم السابقة لا تشكل الا نسبة بسيطة من بقية الدخل القومي والموارد التي ذكرناها بالحالات السابقة ومع ذلك لم تمنع فشل تلك الأنظمة الفاسدة ، وسيقول الآخر معاهم شركة موبيل والاتصالات ما تزال مملوكة (للحوثة) وهي توفر لهم دخل كبير ! هل يقبل عقل أن تكون شركة يمن موبيل المساهمة والتي لا تمتلك الدولة حتى نصفها وبقية إيرادات الاتصالات في دولة هي الأفقر عالمياً ، هل يكفي هذا الرافد الضئيل أن يقيم دولة وفي حالة حرب ؟؟ ماذا يمتلك الأنصار غير هذان الموردان ؟؟ لم يبق غير الضرائب والجمارك والزكوات وأضف عليها لو كنت محلل متحامل حتى الأتاوات غير الشرعية ، أيضاً كل هذه الموارد كانت موجودة وهي تمثل نسب بسيطة أيضاَ من موارد الدولة المختلفة والمتعددة في الأنظمة السابقة وفي حكومة المرتزقة بالمناطق المحتلة وكلها مع وجود الفساد تذهب هدراً ولا تغطي عجز الدولة ، وهذه الموارد المحلية الأخيرة يبالغ فيها الناس مبالغات خيالية ، فكم بربك سيجني الأنصار من هذه البنود مجتمعة ومهما بلغ جشع الجباة من شعب أكثر من ثلثيه يعيشون تحت خط الفقر ؟؟ وهل يكفي هذا لتسيير شئون دولة وتغطية مجهودها الحربي الكبير ؟؟ وهل تتوقع لو أدرك الناس كل هذا الفساد أن يسكتون على هذا وهم يموتون جوعاً وحصارا ، سيقول قائل الناس مغلوبة على أمرها وتخاف من (بطش) الأنصار ، حسناً لك ذلك ، قد يسكت الناس خوفاً ولكن ما الذي يدفعهم للذهاب للموت في الجبهات من أجل أن تتضاعف ثروات من يسرقهم ، هل كل هؤلاء الشباب لا يعلمون عن فساد الأنصار المزعوم شيء ؟؟ هل كلهم عبارة عن جهلة ؟؟ أم انهم وطنيون الى درجة الموت من أجل أن يعيش (السرق) ؟؟ أحكيني منطق أرجوك ..
أنا سأخبرك في الختام بالخلاصة :
نعم قد يوجد فساد بل هو موجود بالفعل ولكنه واستناداً للحقائق السابقة ليس الفساد المبالغ فيه ، ليس الفساد الذي يبيع سيادة الأوطان ويعرض كل شيء للبيع كما كان يفعل النظام السابق وكما تفعل سلطة المرتزقة بالمناطق المحررة ، هناك فساد وحتماً لابد أن يكون هناك فساد في ظروف كهذه وفي مواجهة تركة فساد مخيفة خلفها النظام البائد والذي حول الفساد الى ثقافة وقلب كل القيم والمفاهيم رأساً على عقب حتى أصبح السارق شاطر والمرتشي فهلوي وهذا أمر عويص ويتطلب الى وقت ليس بالقصير وجهد جهيد لإجتثاثه ، وهذا لا يعفي الأنصار لأنهم هم من يتسنم السلطة اليوم وعليهم مكافحته بشتي الطرق والوسائل بدون تأجيل او تطويل او مماطلة لأنه ومهما بلغت ضآلته يفسد نقاء ثورتهم ، وما زلت أميل الى أن الفساد المفترض ليس هو بحجم الفساد الذي يهد كيان الدول كما عرفناه سابقاً ونعرفه الآن في المحافظات المحتلة والا لما عمرت سلطة الأنصار 8 سنوات في ظل عدوان وحصار وظروف تنعدم فيها مقومات بقاء الدولة ، وما هو موجود وما يجري تداوله وتضخيمه بقصد او بغير قصد في مواقع التواصل ليس أكثر من مجموعة من الذئاب المنفردة والمنفلتة التي تعيث فساداً وتشوه سمعة المسيرة المباركة وحان وقت مواجهتها وايقافها عند حدها مهما بلغت الصعوبة فهذا هو أولوية ولا يجب تأجيلها او التعايش معها لأن الفساد بطبيعته مهلك .
ختاماً سأورد باختصار تجربة شخصية لصديق لي زار قبل كم أسبوع عدد من محافظات الشمال الخاضعة لنفوذ الأنصار وسأوظف هذا لخدمة رأيي الشخصي والخاص والمتجرد الذي أوردته أعلاه وهو بالمناسبة غير قطعي ولا ثابت وخاضع للنقض والتحول في حال أن أثبتت لي الشواهد عكس ما أعتقد . هذا الصديق يعرف الحال الذي كانت عليه تلك المحافظات قبل عهد الأنصار ، أخبرني الرجل أنه مر بأكثر من خمسين نقطة عسكرية – وكما يعرف الجميع النقاط العسكرية كما تعودنا هي مواقع شائعة للابتزاز والنهب – وكانت المعاملة راقية جداً ولم يطلبه أي واحد فلس واحد ، وفي آخر نقطة من نقاط الأنصار جنوباً وهو متجه الى تعز ثم عدن ، أبتزوه العسكر وأخذوا منه مبلغ 500 ريال سعودي ، وحتى هذه العملية كانت ايضاً شبه مبررة فالرجل كان يحمل سلاحاً ناهيك عن مبلغ (مئة ألف) ريال من العملة الوطنية الجديدة المحظورة بمناطق الأنصار والتي يُعاقب عليها قانونهم وتصادر ، ونظير ذلك دفع المبلغ وكان بشكل رسمي وحرروا له سند بيده يثبت أخذ المبلغ (500 ريال سعودي) ، عندما أخبرني أقترحت عليه ان ينشر تلك الواقعة بمواقع التواصل , وبالفعل نشر بصفحته على الفيسبوك صورة السند وأورد تفاصيل الواقعة ، والرجل ليس لديه سوى عدد قليل من المتابعين ، وكان على السند اسمه ورقم جواله ، لم تمض أكثر من 5 أو 6 ساعات حتى جاءه أتصال من وزير داخلية صنعاء شخصياً يعتذر منه بشده ويعده بمعاقبة طاقم تلك النقطة !! قال لي الرجل لم أكن ان يصل التفاعل مع منشوري لهذه الدرجة ثم عمل لي مقارنة وقال : عندنا لو حصل حتى وسقطوا مقاتيل ونشرنا منشور لما لبى بنا أحد ..
أين حدث هذا الموقف المؤثر ؟؟ الغريب علينا بل والصعب تصديقه في اليمن او بالدول العربية او حتى بدول العالم الثالث ، حدث في مناطق سيطرة سلطة صنعاء التي يقولون عنها جزافاً أنها (فاسدة) ولكن أن تقيس هذا الحدث على جوانب الحياة الأخرى في تلك المناطق الحرة ..

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com