النخلة … أحد روافد الأمن الغذائي في حضرموت

الأحقاف نيوز / خاص

كتب / خليل رجب حماد

 

  للنخلة في وادي حضرموت رمزية خاصة وقصة عشق لا تنتهي فهي ايقونة الحياة والأمن الغذائي قبل ان تأتي بعض المنظمات الدولية في هذا الزمان لتقول لنا ذلك ، فقد حكى لنا الاجداد والجدات انه أبان الحرب العالمية الثانية شهد وادي حضرموت فترة من المجاعة لا مثيل لها كانت سبباً في وفاة المئات من أهل الوادي بسبب الجوع والجفاف ولم يكن لهم غذاء في ذلك الزمان يحفظ لمن بقي منهم حياته بأذن الله الا تمر النخلة ، لذلك كان من الأهمية أن يتم الاعتناء بها من خلال البحوث العلمية لإكثارها وزيادة إنتاجها ومكافحة الآفات التي تصيبها .   لقد كان السماح للتمور المستوردة من دول الخليج ان تدخل الى حضرموت امرا غير  موفقا ولم يرحب به الكثير من المهتمين بالشأن الزراعي والاقتصادي لأن ذلك اثر ويؤثر سلبا على حاضر ومستقبل زراعة نخيل التمر في وادي حضرموت وخاصة الأصناف المحلية ذات الجودة العالية ، استمر دخول التمور المستوردة بأصنافها المتعددة وفي السنوات الاولى كانت توزع مجانا عبر كثير من الجمعيات  او تباع بأسعار زهيدة ، طبعا انا لست معترضا على توزيع تلك التمور على المحتاجين او من لم يكن في بيته تمر ليفطر به وعائلته في شهر رمضان ولكني على يقين ان تلك العملية كان القصد منها هو الترويج والتسويق للأصناف المستوردة من التمور ونخيلها .. على حساب الاصناف المحلية ، وهذا اثر سلبا على الاهتمام و العناية بأشجار النخيل و تسويق ثمارها   .. استمر الحال ونجح الترويج فبدلا ان توزع التمور مجانا صارت تباع في البقالات وبدلا ان يتم استيراد تمورا تطورت العملية الى استيراد فسائل ، وبدأ أهل حضرموت يمتدحون الاصناف المستوردة ويذمون اصنافهم المحلية التي تحدث عنها العديد من خبراء البنك الدولي الذين عملوا بوادي حضرموت وخاصة منهم العرب من العراق وتونس ،  قال لي أحدهم يوما ( انتم تملكون في حضرموت اصنافا محلية من التمور ذات جودة عالمية ومنافسة ) وكان يقصد صنف (المديني) و(سبية الشوك) و(الجزاز) و(المجراف) و(الميمون) و(الهجري) ..

 

 

اما ما ذكره د / جمال باصحيح اختصاصي وقاية النبات في احدى محاضراته في المؤتمر البحثي الزراعي الخاص بالأمن الغذائي والذي عقد بمدينة سيئون في محطة سيئون للبحوث الزراعية 8 – 10 مارس 2022م ( ان أصناف النخيل المحلي اكثر مقاومة من اصناف النخيل المستوردة (المدخل ) للآفات الزراعية وخاصة آفة السوسة الحمراء التي قضت وتقضي على المئات من اشجار النخيل سنويا) ، والنسبة الأكثر من النخيل الهالك و المصاب من تلك الحشرة هي الأصناف المستوردة .

هانت عليهم نخلتهم أهل حضرموت وزاد ولعهم بالنخلة المستوردة وتمرها ، واستمرت حكاية الإهمال لعمتنا النخلة من الحكومة والمجتمع إلى أن بدأت عملية تحويل الاراضي المزروعة بأشجار النخيل الى مخططات سكنية بحجة ان النخيل لا فائدة منه والبركة في التمر السعودي  .. ولارتفاع سعر متر الأرض في مدينة سيئون  .. كنت محتاجا الى بعض البيانات عن المزارع التي حولت الى مخططات سكنية في مدينة سيئون فأنا على وشك اصدار كتابي الاول عن العوامل التي تسهم في ارتفاع درجة الحرارة في وادي حضرموت قصدت جميع الجهات الحكومية ذات العلاقة فلم اجد شيئا انتفع به ، لذلك كانت فكرة ان اقوم بمسح قد لاقت ترحيب بعض الزملاء المهندسين الذين استعنت بهم فيما بعد في التحليل الإحصائي لبيانات المسح ، طبعا نفذت عملية المسح بجهد ذاتي دون دعم أو مساعدة من أحد  في ديسمبر من عام2021 واخترت حي القرن ( كعينة مجتمع ) فهو الحي الذي أسكنه  وهذا سهّل لي الحصول على المعلومة لقد كانت النتائج صادمة لي حيث بلغ عدد المزارع التي تم تحويلها الى مخططات سكنية في حي القرن من عام 2002 إلى 2020 ( 60 مزرعة  صغيرة ومتوسطة ) اجمالي مساحات تلك المزارع مجتمعة ( 239.5 فدان )عدد النخيل الذي تم ازالته (7119 نخلة) ، قد يقول قائل ان كثير من النخيل الذي تمت وتتم ازالته قد شاخ وغير مثمر لذلك تم احتساب نصف ذلك العدد فقط (3560 ) تقريبا وبعد عملية ضرب نصف عدد النخيل المزال في متوسط انتاجية النخلة في وادي حضرموت وفقا لبيانات البحوث الزراعية سيئون ( 43 ) كيلو جرام تقريبا ، فهذا يعني اننا قد خسرنا ( 153 ) طن من التمور للأصناف المحلية التي تنتج في حي القرن فقط .. ناهيك عن الا ضرار الاقتصادية والبيئية أيضا الناتجة عن تحويل تلك المزارع الى مخططات سكنية فقد فقدنا مساحات واسعة من الغطاء النباتي الذي كان يلطف الاجواء ويضيف جمالا لمنطقة حي القرن التي تغنى فيه كثير من الشعراء ومغنو الدان الحضرمي لجماله اضافة الى توقف العديد من المزارعين عن مزاولة مهنة الزراعة والبحث عن أعمال بديلة وجلوس نساءهم في المنازل بعد ان كن يشاركن في اعمال المزرعة وتربية الاغنام.

 

 

هذا العام شهد شحة في تمر المديني ( العجوة الحضرمية ) وهو الذ واطيب الاصناف المحلية .. أخشى ان تمتد تلك الشحة الى بقية الاصناف في الاعوام القادمة ويصبح تمرنا من خارج ارضنا وهذا يذكرني بمثل حضرمي لا أحفظه يقول ( من قوته على الجيران …) . اتمنى من السلطة المحلية أن تعجل من الاعلان عن مخططات سكنية في الهضبة الجنوبية والشمالية لمدينة سيئون لتخفيف الضغط على الاراضي الزراعية وتوقف عملية تحويلها الى مخططات سكنية ، زرت منطقة صليلة الاسبوع الماضي وهي منطقة زراعية حديثة فرأيتها تتحول الى منطقة صناعية  !

قال ابن دريد : سألت اعرابيا ما أموالكم ؟ قال : النخل فقلت أين انتم من غيره ؟ فقال : النخل سعفها صلاة وجذعها غماء وليفها وشاء وفروها انا ورطبها غذاء .

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com