حرب الأخلاق وصراع القيّم

الأحقاف نيوز / كلمة الأسبوع / خاص

كتب / عدنان باوزير

 وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ..

في عصور سحيقة من التاريخ البشري كان يُضحى بأسرى الحرب كأضحيات بشرية للمعابد الوثنية القديمة كما يشير نقش (لاغاش) المدوّن في بلاد النهرين المدوّن قبل حوالي 2500 ق.م ، أو يتم تجنيدهم كعبيد كما ينص قانون حمورابي البابلي ، وحتى في هذه الحالات الموغلة في السوداوية فإن القتل لم يكن قتل عبثي كما حصل مؤخراً في الساحل ، أو بحثاً مجرداً عن الانتقام والتلذذ بمعاناة الأسير ، بل كان قتل (مقدس) – وفق معتقداتهم الوثنية – ثم خطت البشرية خطوات حثيثة للارتقاء بإنسانيتها ، ، فسنت القوانين والأعراف التي تحرم بل وتجرم قتل أسرى الحرب ، كما جاء في قانون (ماعت) الفرعوني ، ثم جاءت الأديان السماوية الثلاثة التي ختمها (الإسلام) لتحرم جميعها هذا العمل المشين وعملت على السمو بالنفس البشرية والعودة بها الى مسارها الصحيح كما خلقها الله ، وليس الأديان السماوية وحسب بل وحتى الديانات الوثنية فعلت ذلك ، فنجد مثلاً في الديانة البوذية كيف  يتسامح الساكا (Sakka) مع تعليقات مسيئة تفوه بها أسير حرب مقيد بالحبال . وتتفق في هذا كل الثقافات والأديان والقوانين والأعراف ، وصولاً لاتفاقية حنيف بشأن معاملة أسرى الحرب المؤرخة في 12 آب/أغسطس  1949 ، ففي أي عصر من العصور المظلمة السحيقة يعيش أولئك المرتزقة الوحوش الذين قتلوا ومثلوا بجثث أسرائهم العشرة من الأنصار قبل انسحابهم مدحورين من مواقهم في الساحل الغربي قبل أيام ؟؟ واي (ثقافة) تبيح لهم ذلك ؟؟ واي قائد متجرد من أي وازع يأمرهم بذلك ؟؟

مر أربعة عشر قرن بالتمام والكمال على حادثة (أدفئوا الأسرى) صنفت فيها كثير من المصنفات وحشد اللغويون والنحاة والفقهاء فيها الكثير من التخريجات لمحاولة تصريف الحادثة ، ولكنها ظلت مع ذلك شاخصة بقبحها في الأذهان ، فكيف سيصرف هؤلاء المرتزقة المهزومون المأزومون جريمتهم ؟؟

ستظل هذه الجريمة تلاحقهم أينما ذهبوا ويظل هذا العار والعيب الأسود موصوم على جباههم حتى تتطهرهم العدالة .

( أوقفوا سيارة العمال في الطريق .. وكانوا هادئين .. أدارونا نحو الشرق .. وكانوا هادئين ) وصف الشاعر الفلسطيني المعروف محمود درويش جلادي العصابات الصهيونية المرتكبة لمجزرة (دير ياسين) بالهدوء كناية عن اجرامهم وأنهم لم تهتز فيهم شعرة وهو يقتلون ، أما هؤلاء الوحوش فقد تجاوزوهم بمراحل ، فلم يكونوا هادئين فحسن بل كانوا مستمتعين بجريمتهم البشعة ويرقصون على أشلاء الضحايا ويلتقطون الصور التذكارية لأنفسهم وهم يدنسون جثث الشهداء وكأنهم لا شعورياً يوثقون جريمتهم ويقدمون بأنفسهم دلائل وقرائن إدانتهم !!

وهنا سؤال كبير يطرح نفسه وبغض النظر عن الجوانب الأخلاقية والدينية والقانونية : لماذا يقتلونهم بالأصل ؟؟

أما كان الأجدر بهم أن يحتفظوا بهم كورقة لمبادلتهم ضمن أي صفقة تبادل قادمة ؟؟

هل أحدث قتلهم والتمثيل بهم بهذه الطريقة أي فرق في الميدان ؟؟

لا شيء غير إثارة التقزز من سلوكهم الحيواني هذا وتأجيج الشعور بالحقد عليهم والرغبة في القصاص.

 طارق صالح هو المسئول المباشر عن ما حدث سوى تم هذا بعلمه أم بدون علمه ، فهو قائد قوات المرتزقة المشتركية بالساحل الغربي

وللمفارقة أن طارق صالح الغبي هذا لديه أقارب في أسر الأنصار وأولهم أبنه

ألم يأخذ هذا بعين الاعتبار ؟؟ أم أنه أمن تماماً وأطمئن لأخلاق الأنصار ؟؟

وفي وقت يحرص فيه الأنصار على توثيق كل جرائم العدوان ومرتزقته بالصوت والصورة والقيام بجردة كاملة لهذه الجرائم وتجهيز الملفات كما يفعل إعلامهم وعلى رأسه قناة المسيرة ، جاء هؤلاء الأغبياء ليقدموا بأنفسهم وثيقة إدانتهم جاهزة كما يتمناها أي قضاء عادل ، ولا تسقط الجرائم ضد الإنسانية بالتقادم ولا حتى بالتفاهم ، فهي حق عدلي محض ويجب الإيفاء به طال الزمان أم قصر ، نعم الأنصار متسامحون وهم أيضاً صابرون ولكنهم لن يفرطون بدماء شهدائهم ، وأذكركم ، كما أشترك هذا القطيع من الذئاب في رقصة الموت والعار هذه ، فهم سوف يتسابقون كذئاب فردية الى الأنصار ليشي أحدهم بالآخر بعد أن ينتفي السبب الذي يوحدهم وتحين ساعة العدالة وما أظنها الا قريبة .. قريبة

ختاماً .. كلما ازداد هؤلاء المرتزقة سقوطاً وانحطاطا وفجوراً وتمزيقاً للوشائج وقفزاً على كل الخطوط الحمر ، ازداد الأنصار سمواً وترفعاً وتمسكاً بالأخلاق والثوابت ويقيناً أكيداً بالنصر المؤزر الذي تلوح ملامحه في الأفق حتى وكأنك تلمسه بيدك كحقيقة مجسدة واقعة ..

وأختم بهذه الأبيات المعبرة للشاعر أبي الفوارس التميمي المعروف ب (الحيص بيص) :

ملكنا فكان العفو منّا سجــــــية         فلما مـــلكتم ســـــــال بالدم أبطح

وحللتموا قتل الأسارى وطالما        عدونا على الأسرى فنعفو ونصفح

وحسبكـــموا هذا التفاوت بيننا        وكـــــلّ إناء بالذي فيـــــــه ينضـح

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com