الأحقاف نيوز / خاص
كتب / عدنان باوزير
يبدو أن المشروع السعودي في الجنوب قد دخل أخيراً مرحلة إعادة تدوير العقيدة!
فبعد أكثر من عشر سنوات من تجريب الفصائل المسلحة، اكتشف الرعاة أن المرتزق الذي يقاتل من أجل الراتب قد يتوقف عندما ينتهي الراتب، فقرروا هذه المرة أن تكون المسألة أعمق:
لا نريد مقاتلاً موالياً لنا فقط… نريد مقاتلاً يكره خصمنا بالنيابة عنا!
وهكذا بدأ تفصيل «الجيش الجديد» على مقاس عقائدي واحد؛ قوات طوارئ، ودرع وطن، وجماعات سلفية يجري انتقاؤها بالفرازة، وكأننا لسنا أمام تشكيل عسكري، وإنما أمام معمل لإنتاج المقاتل المذهبي!
الفكرة شيطانية في جوهرها :
فبدلاً من أن تقول للمقاتل: «قاتل من أجل وطنك».
تقول له: «قاتل لأن خصمك مختلف عنك في المذهب!»
وهكذا يتحول الراتب إلى «حافز»،
والكراهية إلى «عقيدة»،
والبندقية إلى منبر متنقل!
لكن المشكلة أن من يزرع الكراهية لا يستطيع أن يحدد لها موعد انتهاء الصلاحية.
فاليوم تقول لها: «اذهبي إلى صنعاء».
وغداً قد تسأل: «وأين أذهب بعد صنعاء؟»
وهنا تبدأ الكارثة.
لأنك لا تبني جيشاً فقط، بل تعيد تشكيل المجتمع نفسه، وتحاول استبدال جنوب متسامح ومتعدد المشارب بجنوب بلون ديني واحد.
والجنوب الذي عرف الصوفي والشافعي، والمتدين وغير المتدين، والمختلف والمتفق، قد يجد نفسه أمام مشروع يقول له:
اختر لوناً واحداً… وإلا!
وهذه ليست «جنوبنة» السياسة، بل عسكرة المذهب ومذهبة البندقية.
والأخطر أن الحرب قد تنتهي، لكن المقاتل العقائدي لا يخرج من المعركة بمجرد أن تقول له: «خلاص يا بطل، انتهت الحرب… روح بيتكم».
فالكراهية التي دُرّبت عليها العضلات، لا تختفي بخروج آخر دبابة من المعسكر.
وقد تتحول بعد الحرب من سلاح ضد الخصم الخارجي إلى سلاح داخل المجتمع نفسه.
وهنا بالضبط تبدأ «الأفغنة»:
تصنع مقاتلاً لمحاربة عدوك، ثم تصنع له مجتمعاً على مقاس بندقيته، ثم تكتشف متأخراً أن البندقية أصبحت هي التي تبحث عن المجتمع الذي يناسبها!
يا جماعة الخير…
لا تحوّلوا الجنوب إلى أفغانستان بنكهة يمنية.
فالجنوب ليس ثكنة عسكرية، ولا مزرعة أيديولوجية،
ولا حقل تجارب لمختبرات الوصاية الإقليمية.
ومن يريد أن ينتصر في الجنوب بالبندقية والمذهب معاً، قد يحقق انتصاراً عسكرياً مؤقتاً – ولن حقق- …
لكنه سيترك وراءه جنوباً يحارب نفسه لعقود.
فالجنوب ليس قطعة قماش يمكن تغيير لونها بقرار عسكري، ولا معسكراً يمكن تنظيفه من مذهب وإدخال مذهب آخر إليه.
إنه مجتمع له ذاكرة، وتنوع، ومذاهب، وطرق صوفية، وعلاقات اجتماعية عمرها قرون.
ومن يزرع التطرف اليوم ليحصد به نصراً عسكرياً، قد يحصد غداً جيلاً كاملاً لا يعرف كيف يعيش مع المختلف.
وهذه هي المفارقة الكبرى:
قد تنجح في صناعة جيشٍ عقائدي…
لكن من سيضمن لك ألا يصبح المجتمع كله ساحة معركة بعد أن تنتهي الحرب؟
فالحرب لها هدنة… أما الفتنة، فليس لها جدول زمني.
عندها لن تكون المشكلة: من انتصر في الحرب؟ بل ستكون المشكلة:
من سيعيش مع من بعد الحرب؟!
وهذا هو السؤال الذي يبدو أن بعض العباقرة في غرف العمليات لم يخطر ببالهم، لأنهم منشغلون جداً برسم خريطة النفوذ بالبندقية، ولم ينتبهوا أن البندقية لا تعرف كيف ترسم مجتمعاً.
دعشنة الجنوب ..وأفغنة المجتمع








