الأحقاف نيوز / خاص
كتب / عدنان باوزير
ثلاث سنوات من الهدن الممطوطة، والمهل المؤجلة، والوعود التي شاخت قبل أن تُنفَّذ… حتى بلغ العبث اليمني ذروته حين انشغلت النخب بقضية «فدغم»، فيما كان اليمن كله يغرق ببطء تحت أنقاض الحصار والجوع.
ثم جاءت طائرة «ماهان».
لم تكن الطائرة وحدها هي التي هبطت اضطراريًا؛ يبدو أن الصبر اليمني هو الآخر بلغ مدرجه الأخير.
قصفُ مدرج مطار صنعاء، في خطوة بدت أقرب إلى نوبة غضب منها إلى حسابات عسكرية، لم يمنع الطائرة من الهبوط في الحديدة، لكنه فعل شيئًا أخطر: كسر آخر خيط في حبل الصبر.
بعد ساعات، خرج المارد من القمقم.
الحصار مقابل الحصار.
منذ تلك اللحظة تغيّرت قواعد اللعبة: السفن السعودية لم تعد تعبر البحر الأحمر وكأنها في نزهة، وناقلات النفط بدأت تتلقى رسائل حمراء من البحر؛ بعضها احترق، وبعضها غرق، وبعضها قرر أن يغيّر عنوانه إلى رأس الرجاء الصالح، وبعض النفط السعودي صار يبحث عن منصة مؤقتة في المتوسط، كأنه نفطٌ مطلوب للعدالة.
وحين حاولت الرياض كسر الحصار بقصف الحديدة، بدا المشهد كمن يطفئ حريقًا بسكب البنزين.
فجاء الرد من ينبع وجيزان، حيث تكلمت خزانات النفط بالنار، وارتفع دخان أرامكو كأنه بيانٌ رسمي لا يحتاج إلى مترجم.
حتى المسيّرة السعودية الصغيرة التي حاولت اختبار الأجواء اليمنية، تلقت جوابًا أكبر من السؤال: رادار نجران دخل على الخط.
ثم اتسعت الدائرة: من جنوب البحر الأحمر إلى شماله.
بمعنى أكثر وضوحًا: عدادات تصدير النفط السعودي عبر البحر الأحمر بدأت تُصفَّر.
هنا بدأت الرياض تبحث عن «تحالف حماية الملاحة»؛ وكأن الذين عجزوا عن حماية أنفسهم في البحر الأحمر سيجتمعون فجأة لحماية العالم كله!
تحالفٌ على الورق، بياناتٌ لا تُوقَّع، وتوقيعاتٌ لا تتحول إلى أفعال… أما البحر، فيبدو أنه لم يقرأ البيان أصلًا.
ثم عادت اللعبة السعودية القديمة: اضرب اليمني باليمني.
جيشٌ «وطني» يُنشأ ويُدرَّب ويُسلَّح داخل أراضي دولة أخرى، ثم يُدفع إلى بلده ليقاتله!
يا لها من مفارقة يمنية خالصة: جيشٌ وطني، لكن الوطن آخر مكانٍ يُسمح له بالتدريب فيه!
والأخطر أن هذا الجيش لم يُبنَ فقط على السلاح، بل على أيديولوجيا أحادية تريد اختزال اليمن المتعدد المذاهب والثقافات في لون واحد، وتطلق تهديدات بإلغاء الآخر واستباحة صنعاء واستئصال المخالف.
وهنا لا يعود الأمر مجرد معركة على السلطة؛ بل يصبح مشروعًا لزرع لغمٍ أيديولوجي داخل جسد اليمن، قد تنفجر شظاياه في أجيال لم تولد بعد.
لذلك جاءت الضربة الاستباقية على الحشود قبل أن تتحول إلى حرب شاملة.
تفرقت الجحافل: بعضُها عاد إلى السعودية، وبعضُها ابتلعته الفيافي، وبعضُ المعسكرات تركت للقبائل والأهالي مهمة القيام بـ«التفتيش الميداني»… وبالطريقة اليمنية طبعًا!
واليوم يتكرر المشهد في مأرب، ويُقلب صحن الجن من جديد، فيما لا يزال البيان الرسمي غائبًا؛ وكأن الصمت نفسه صار جزءًا من الرسالة.
الأخطر أن صنعاء تبدو وكأنها أغلقت باب المساومة ووضعت خلفه المتاريس.
الضربات الاستباقية تعني ببساطة أن المعادلة انتقلت من «سأرد عليك إذا ضربتني» إلى «سأضربك قبل أن تضربني».
وهذه ليست لغة التهدئة؛ إنها لغة العدّ التنازلي.
والمفارقة الأكثر سخرية أن السعودية، وهي تواجه شعبًا محاصرًا يطالب برفع الحصار وانسحاب القوات الأجنبية وترك اليمنيين يحلون مشاكلهم بأنفسهم، ذهبت تبحث عن تحالف دفاعي مع باكستان النووية وتركيا!
كأن صنعاء تحولت فجأة إلى موسكو، والأنصار إلى قوة عظمى تخفي حاملات الطائرات خلف جبال صعدة!
لكن خلف هذه السخرية يقف سؤال ثقيل:
هل ما يحدث مجرد تصعيد مضبوط، أم أن قطار التصعيد بدأ يفقد فرامله؟
فالضربات الاستباقية لا تنتظر الطلقة الأولى؛ إنها تطلقها قبلها.
ولهذا فإن الأيام القادمة ليست مجرد أيام عادية في روزنامة الحرب، بل قد تكون أيامًا لإعادة كتابة قواعد الاشتباك كلها.
لقد خرج المارد من القمقم، ويبدو أن أحدًا نسي أن يضع الغطاء قريبًا منه.
والآن… من سيجرؤ على إعادته؟







