الأحقاف نيوز / خاص
كتب / عدنان باوزير
هناك رسالتان فقط استوقفتاني وسط الضجيج.
الأولى، صدرت عن عضوين من أعضاء المكتب السياسي لأنصار الله، وكانت موجهة إلى الإمارات بلغة سياسية هادئة، تقول باختصار: لا مصلحة لكم في التورط مجدداً في حرب ليست حربكم، فالحياد اليوم أوفر كلفة من المغامرة، والواقعية السياسية أذكى من الحماس العسكري وتكرار ملاحقة الأوهام.
أما الرسالة الثانية… فقد كانت الأكثر انتشاراً، والأقل فائدة.
عشرات الرسائل التي تطالب قيادات المجلس الانتقالي بالوقوف على الحياد وعدم الانخراط في أي مواجهة محتملة بين السعودية وصنعاء، باعتبار أن تلك ليست معركتهم، وأن الأولى بهم أن يتركوا خصومهم التقليديين من حزب الإصلاح وبقية مكونات “الشرعية” يواجهون مصيرهم وحدهم، بل وأن يستثمروا اللحظة لتصفية حساباتهم مع الرياض بعد سنوات من الإقصاء والإذلال والوعود المؤجلة.
كل هذا الكلام يبدو منطقياً…
إلا أن المشكلة ليست في مضمون الرسالة، بل في عنوانها.
فأنت تخاطب من لا يملك مفتاح الباب، وتترك من يحمل المفاتيح كلها.
القرار الحقيقي ليس هناك، بل في أبوظبي.
ولهذا فإن مطالبة الأدوات بالتمرد تشبه مطالبة شاشة التلفاز بأن تغيّر القناة من تلقاء نفسها، بينما جهاز التحكم مستقر بكل هدوء في يد شخص آخر.
أنها تشبه رجلاً يقف أمام دمية معلقةبخيوط، ثم يقضي ساعة كاملةيقنعها بأن تتمرد على الأصابع التي تحركها!
يا خي خاطب اليد لا العرائس، فالقرار ليس في عدن بل في أبوظبي.
ولو نظرنا إلى المشهد ببرود السياسة، بعيداً عن الشعارات والانفعالات، لوجدنا أن أي مواجهة مباشرة بين السعودية وأنصار الله – إن وقعت – لا تبدو معركة تخدم المشروع السياسي المعلن للانتقالي.
فهي معركة مجانية. وقد تنتهي بتقوية خصومه الذين يختلف معهم قبل غيرهم.
كما أنها قد تبدد فرصة سياسية كان يمكن استثمارها في إعادة ترتيب الأوراق بعد سنوات من التوتر مع الرياض.
بل يمكن أن تكون أسوأ صفقة سياسية يخوضها، فإن انتصرت السعودية – وهذا إن شاء الله لا يمكن- ازداد خصومه داخل معسكر (الشرعية) قوة ونفوذا بدماء مقاتليه، وإن تعثرت كان هو أول من سيدفع الثمن، لكن السياسة في محافظاتنا المحتلة لا تُدار دائماً بمنطق المصالح… بل كثيراً ما تُدار بمنطق: “نفّذ أولاً… وافهم لاحقاً.”
ولهذا لا أستبعد أن تُنجز الرياض وأبوظبي تسوية خلف الأبواب المغلقة، فتعود الأوامر إلى الميدان، ويُطلب من المقاتلين أن يخوضوا حرباً جديدة تحت لافتة جديدة، بينما تبقى النتائج القديمة كما هي.
وربما تُفتح خزائن الوعود مرة أخرى.
قليل من الوعود… وقليل من الصور…
وقليل من الابتسامات أمام الكاميرات…
ثم يُقال لهم إن الفرج قريب، وإن المشروع الكبير يحتاج فقط إلى مزيد من الصبر… وربما إلى عقد آخر من الانتظار.
لو كانت قيادة الإنتقالي تمتلك ذرة الذكاء والحكمة، ليس فقط سيعتزلون المعركة ويلتزمون الحياد، ويقعدون على التل يراقبون، وهذا أضعف الإيمان، بل وسيتحالفون مع الأنصار وإن كان حتى تحالفا تكتيكيا، لما لا؟ فالسياسة هي فن الممكن، ولكن المشكلة مرة أخرى هي مشكلة امتلاك القرار.
لقد أثبتت التجارب أن بعض القوى السياسية في اليمن لا تخسر بسبب ضعف الشجاعة، وإنما بسبب غياب استقلال القرار.
ومن لا يملك قراره… قد يملك السلاح، ويملك الإعلام، ويملك الحشود…
لكنه، عند لحظة الحسم، لا يملك حتى حق اختيار المعركة التي يموت فيها.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
ففي السياسة، ليست كل معركة تستحق أن تُخاض…
وأغبى الجنود ليس من يُهزم في الميدان، بل من يُستدعى مراراً ليقاتل في معارك الآخرين، ثم يعود كل مرة حاملاً الهزيمة… وفاتورة الدم.








