هل انتهت مرحلة تسمين العجول ؟ أم أن الرياض تؤجل موعد المحرقة الأخيرة؟

الأحقاف نيوز / خاص
كتب / عدنان باوزير

في الحروب، لا تكون أخطر اللحظات هي لحظة إطلاق الرصاصة الأولى، بل اللحظة التي يكتشف فيها المقامر أنه لم يعد يملك سوى آخر ورقة على الطاولة. عندها يصبح مستعداً للمراهنة حتى على الكرسي الذي يجلس عليه.
اليوم يبدو المشهد اليمني وكأنه يقف على حافة تلك اللحظة.
فبعد سنوات طويلة من الحرب، وبعد أن تحولت الجبهات إلى طاحونة التهمت المال والسلاح والرجال، تبدو السعودية أمام معادلة مختلفة تماماً. فالحصار الذي فُرض على اليمن لسنوات، عاد ليجد من يحاول أن يعكس اتجاه الريح، عبر محاصرتها هي، وتهديد الملاحة المرتبطة بصادرات النفط السعودي في البحر الأحمر، في وقتٍ تزداد فيه تعقيدات المشهد الإقليمي مع اغلاق مضيق هرمز واضطراب طرق الطاقة.
وهنا يبرز السؤال الكبير:
هل انتهت مرحلة تسمين العجول؟ وحان موعد دفعها إلى المحرقة؟
فالسعودية جرّبت طوال سنوات الحرب كل ما يمكن تجريبه تقريباً. دفعت الأموال، وجمعت التحالفات، وفتحت مخازن السلاح، وحشدت عشرات الفصائل اليمنية تحت رايتها، ومع ذلك لم يتحقق الاختراق الذي كانت تنتظره.
بل إن الضربات التي طالت منشآتها النفطية في مراحل سابقة دفعتها في النهاية إلى البحث عن التهدئة، فانتقلت من لغة القصف إلى لغة الوسطاء، ومن هدير الطائرات إلى همسات المفاوضات.
لكن تلك الهدنة تحولت مع الزمن إلى مطاط سياسي؛ كلما اقتربت من نهايتها، مُدّت من جديد، حتى أصبحت أشبه بجسر معلّق فوق هاوية، لا أحد يجرؤ على عبوره ولا أحد يريد هدمه.
غير أن المنطقة اليوم لم تعد هي المنطقة نفسها.
فالشرق الأوسط كله أصبح يشبه مستودع وقود امتلأ بأبخرة البنزين، بينما الجميع يتجولون بداخله حاملين أعواد الثقاب.
وأي شرارة جديدة قد تجعل النار لا تعرف الفرق بين من أشعلها ومن وقف يتفرج عليها.
إذا تطور الضغط على خطوط تصدير النفط السعودي عبر البحر الأحمر – وهذا سيستمر وقد قال الأنصار كلمتهم الفصل – ، فإن المسألة بالنسبة للرياض لن تكون مجرد خسارة اقتصادية، بل إصابة مباشرة في الشريان الذي يضخ الدم في جسد الدولة.
وعندها قد يراود صانع القرار السؤال الذي يسبق عادة القرارات الخطرة:
هل نعيد تحريك الفصائل اليمنية مرة أخرى؟
لكن السؤال الأصعب هو:
تحريكها إلى أين؟ إلى مأرب؟ إلى الجوف؟ إلى تعز؟ إلى الساحل الغربي؟
بعد أحد عشر عاماً من القتال، هل بقي في هذه الورقة شيء لم يُجرَّب؟
وهل تستطيع إعادة عرض المسرحية نفسها أمام جمهور شاهد النهاية أكثر من مرة؟
إن المشكلة في الأوراق المحترقة أنها لا تعود خضراء بمجرد إعادة ترتيبها.
فالفصائل التي عجزت عن تحقيق الهدف وهي تستند إلى تحالف ضخم وإسناد جوي هائل، هل ستنجح اليوم في ظروف أكثر تعقيدا، لم تعد الرياض تبحث عن حصانٍ رابح، بل عن كبش فداء يبتلع الهزيمة نيابةً عنها.
الفصائل التي كانت تُقدَّم على أنها رؤوس حراب، تحولت مع الزمن إلى مسامير صدئة في نعش المشروع كله.
الحرب أصبحت كآلة قمار تبتلع العملات الذهبية منذ أحد عشر عامًا، ولا تُخرج سوى إيصالات الخسارة.
من يكرر التجربة نفسها منتظرًا نتيجة مختلفة، يشبه من يحاول إطفاء النار بسكب البنزين عليها. بينما المنطقة كلها تغلي كقدرٍ تُرك فوق النار ونسيه صاحبه؟
ثم إن خارطة التحالفات لم تعد كما كانت.
فالمجلس الانتقالي الجنوبي مثلاً لم يعد يقف حيث كان يقف قبل سنوات، والخلافات داخل المعسكر المناهض لأنصار الله لم تعد سراً.
فهل سيخوض الانتقالي حرباً جديدة يرى كثير من أنصاره أنها لا تحقق مشروعه وليست حربه؟
أم يكتفي بالحياد؟
أم يستغل الفوضى لترتيب أولوياته الخاصة، وربما التحالف ولو تكتيكياً مع الأنصار، وتصفية حساباته وثأراته المؤجلة مع السعودية، التي اخرجته ذليلا صاغرا من حضرموت؟
أما الإمارات، فهي عقدة أخرى في هذا اللغز.
فهي ليست مجرد حليف عادي، بل شريك دخل الحرب بأهداف تختلف في كثير من تفاصيلها عن أهداف الرياض.
فهل ستندفع بحماس إلى معركة جديدة؟
أم ستنظر إليها كفرصة لإعادة رسم موازين النفوذ؟
أم ستختار الوقوف على التل، تاركة الآخرين يتبادلون الضربات بينما تحسب هي الأرباح والخسائر؟
إن الحرب ليست رقعة شطرنج، بل رقعة تتبدل مربعاتها أثناء اللعب.
والأصدقاء فيها قد يتحولون إلى منافسين، والمنافسون إلى شركاء مؤقتين، والتحالفات فيها ليست جسوراً من الإسمنت، بل جسور من الضباب.
ولهذا فإن أي رهان على تكرار سيناريوهات الماضي قد يكون أشبه بمن يحاول فتح باب بمفتاح ذاب في النار منذ سنوات.
ولو افترضنا أن الرياض دفعت بالفعل بفصائلها إلى جولة جديدة، فإنها ستكون في الحقيقة قد وضعت آخر احتياطياتها السياسية داخل فرن واحد.
فإن نجحت – ولن تنجح- ، تكون قد حققت ما عجزت عنه سنوات طويلة.
وإن فشلت، فلن يبقى لديها بعد ذلك سوى باب التفاوض المباشر، لأن الورقة الأخيرة ستكون قد احترقت بالكامل.
عندها لن يعود السؤال: كيف ننتصر؟
بل سيصبح:
كيف نخرج بأقل الخسائر؟
قد تستطيع الدول شراء البنادق، لكنها لا تستطيع شراء النصر. وقد تستطيع إطالة أمد الحرب، لكنها لا تستطيع تمديد عمر الخيارات إلى الأبد. وعندما تصل الدول إلى آخر ورقة في يدها، لا تعود تخشى خسارة الورقة… بل تخشى أن تكتشف أن الطاولة نفسها لم تعد ملكًا لها.إن أخطر ما في الحروب الطويلة أنها تجعل الجميع يظنون أن الزمن يعمل لصالحهم، بينما الحقيقة أن الزمن لا يعمل إلا لصالح الخراب.
ولهذا تبدو الأيام القادمة حاسمة أكثر من أي وقت مضى.
فإما أن تنزلق المنطقة إلى جولة جديدة من المقامرة العسكرية، وإما أن يكتشف الجميع أن التفاوض، الذي كانوا يؤجلونه سنوات، كان أقل كلفة من كل ما سبقه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي سيجيب عنه الميدان وحده:
هل ما زالت لدى الرياض عجول أخرى لتسمينها، أم أن القطيع كله يقف اليوم أمام باب المحرقة؟

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
المزيد..

(هاشم) في كل مكان

الأحقاف نيوز/ خاصكتب/ عدنان باوزير هاشم يحضر حفل تخرج دفعة جديدة .. هاشم يدشن فعالية تسجيل دفعة جديدة…
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com