الأحقاف نيوز/ خاص
كتب/ عدنان باوزير
في السياسة، ليست كل المواعيد مجرد أرقام على التقويم؛ فبعضها يشبه حافة السكين، إما أن تعبرها الأقدام بسلام، وإما أن تنزلق عليها المنطقة كلها.
العاشر من يوليو يبدو واحدًا من تلك المواعيد.
ثلاث سنوات من الهدوء الهش، أو لنقل: هدنةٌ تتنفس بجهاز إنعاش. ثلاث سنوات والسعودية تؤجل أكثر مما تقرر، وتعد أكثر مما تنجز، حتى تحولت الملفات إلى رفوف يعلوها الغبار، لا إلى اتفاقات يعلوها التوقيع.
ثلاث سنوات، والمنطقة تعيش على نظام “التحديث لاحقًا” الذي اخترعته الدبلوماسية السعودية. الرواتب ما زالت تنتظر من يوقظها من سباتها الطويل، والملفات الإنسانية تدور في الحلقة نفسها، والوعود أصبحت كرسائل تُكتب على الماء.
وفي المقابل، لم تعد صنعاء تتحدث بلغة الانتظار، بل بلغة الساعات الأخيرة. رسائلها الأخيرة تكاد تقول: إن زمن التسويف انتهى، وإن دفاتر التأجيل أُغلقت، وإن للصبر تاريخَ انتهاء، تمامًا كما للدواء تاريخ صلاحية.
ثم جاءت قضية الرحلة الجوية بين صنعاء وطهران لتضيف عود ثقاب جديدًا إلى غرفة مليئة بالغاز. اعتراضٌ من هنا، وردٌّ من هناك، وإصرارٌ يقابله إصرار، حتى بدا وكأن الطائرة لم تكن تحمل وفدًا فحسب، بل حملت معها اختبارًا جديدًا لحدود الاشتباك السياسي.
وفي الداخل، لا تبدو الجبهات أقل سخونة. قضية اجتماعية تحولت بسرعة إلى كرة ثلج سياسية، ووجدت أطراف متعددة فيها فرصة لفتح أبواب اصطفافات جديدة، وكأن بعض اللاعبين لا يبحثون عن حل، بل عن شرارة.
أما حزب الإصلاح، فما زال وفيًا لهوايته القديمة: إذا لمح غيمةً، أعلن أنها إعصار؛ وإذا لمح شرارةً، تصرف وكأن القيامة قد قامت، علّ الحريق يفتح له نافذةً كان قد أغلقها التاريخ.
وهكذا تتجمع الغيوم من كل اتجاه، حتى لم يعد أحد يعرف: هل نحن أمام مفاوضات تسبق السلام، أم أمام هدوء يسبق العاصفة؟
وسط هذا كله، يقف موعد العاشر من يوليو كأنه ميزان حرارة لا يحتاج إلى طبيب لقراءته.
إذا أُنجزت صفقة تبادل الأسرى في موعدها، فقد تكون إشارة إلى أن خطوط الاتصال ما زالت تعمل، وأن السياسة لم تسلم مقودها بالكامل للميدان، وأن نافذة التهدئة لم تُغلق بعد.
أما إذا تعطلت الصفقة، أو أُجلت في اللحظات الأخيرة، فإن ذلك قد يُقرأ على أنه مؤشر إضافي على تعثر المسار السياسي، وازدياد احتمالات التصعيد، وإن كان لا يعني وحده أن المواجهة أصبحت حتمية.
السعودية اليوم تبدو كمن يحاول شراء الوقت، بينما الوقت نفسه أصبح أغلى سلعة في المنطقة. وصنعاء تتصرف كما لو أنها تقول: لن ندفع ثمن الساعة مرتين.
وفي النهاية، قد لا يكون العاشر من يوليو هو نهاية القصة، لكنه بلا شك أحد أكثر فصولها حساسية. فهو ليس موعدًا لتبادل الأسرى فقط، بل موعدٌ قد يكشف إن كانت المنطقة ما تزال تؤمن بلغة الاتفاق، أم أنها قررت العودة إلى اللغة التي لا تعرف إلا صوت المدافع.
وسيكون 7/10 بمثابة القاضي الذي سيدخل قاعة المحكمة بلا مرافعات ولا شهود. لن يسأل أحدًا، ولن يستمع إلى تبرير، بل سيكتفي بقراءة الوقائع كما هي، ثم ينطق بالحكم.
فإما أن يخرج ذلك التاريخ وهو يحمل شهادة ميلاد مرحلة جديدة، وإما أن يتحول إلى شاهد إثبات على أن كل ما سبق لم يكن سوى ضجيجٍ سياسي، وفقاعةٍ إعلاميةٍ أُنفقت عليها الآمال أكثر مما احتملت.
وعندها لن يكون السؤال: لماذا فشلت الصفقة؟ بل: من الذي باع للناس الوهم، ومن الذي اشترى؟ 7/10 سيكتب بالحبر الذي لا يجف: إما حقيقةٌ انتصرت… وإما وهمٌ انكشف.
سننتظر… فالمواعيد أحيانًا تتحدث أكثر من البيانات، والصمت في السياسة قد يكون أبلغ من ألف خطاب.








