الأحقاف نيوز / خاص
كتب/ حسن الكاف
تشهد الساحة الثقافية والاجتماعية في حضرموت اليوم حراكاً لافتاً يتجاوز مجرد الاهتمام العابر بالتراث، حيث تبرز على السطح ظاهرة إعادة التصدير المكثف لرمزية الوعل ونقوش المسند في الفعاليات الشبابية والمبادرات المدنية والمنصات الرقمية. والوعل في الوجدان الحضرمي ليس كائناً غريباً، بل هو جزء من فلكلور حي نتوارثه في طقوس “القنيص السنوي” في وديان تريم وعينات وقسم، وفي أهازيج الدان وقرونه التي تزين شرفات البيوت الطينية القديمة. لكن تحول هذا الرمز فجأة من موروث شعبي معيش إلى “أيديولوجيا قومية” وشعار رقمي تتلقفه منصات ممولة، يضعنا أمام تساؤل جوهري حول ما إذا كنا أمام إحياء بريء للتراث، أم أمام استنساخ لكتالوج فكري جُرِّب إقليمياً لفصل الشعوب عن هويتها الإسلامية الجامعة.
لقد كان الوعل في العصور السبئية والحميرية ومملكة حضرموت القديمة يحمل دلالة دينية عقائدية باعتباره الرمز المقدس لـ “الإله عثتر” إله المطر والخصب، وكانت طقوس صيده السنوية تُقام لطلب البركة من الآلهة. واليوم, يُعاد إحياء هذا الرمز عبر فعاليات ومهرجانات تحظى برعاية منظماتية دولية ومحلية، لكن التمعن في أدبيات هذا الإحياء وفي طليعتها المحاولات الأولى والجذرية لتصنيع مصالحة وجدانية مع حقبة الجاهلية الأولى، يكشف عن مسار يعتمد على التجفيف البطيء للوعي، من خلال تضخيم حقبة ما قبل الإسلام وجعلها الذروة الحضارية للإنسان الحضرمي، مقابل تهميش أو تشويه غير مباشر للحقب الإسلامية وكأنها مرحلة عارضة طمست هوية الأجداد. وإن محاولة تجميل هذا الرمز وإعادة تقديمه كأيقونة فخر واعتزاز عبر تقارير قنوات وصحف إعلامية متنوعة، ما هو إلا محاولة لإنعاش فكرة هُدمت أركانها بكلمة التوحيد، حيث يُراد بهذا الإحياء ونقوش المسند إرساء التوجهات الأولى للتطبيع الثقافي الممنهج مع مصطلحات الجاهلية، وربط عاطفة الجيل بزمن “الأوثان والآلهة البائدة” تحت شعارات وأطروحات فكرية تزعم ضرورة الانبعاث التاريخي والرمزية القومية والسياسية للوعل، أو تلك التي تنادي بعزل الهويات وتفتيتها، والتي تتناغم كلها لشحن المجتمع عرقياً وجغرافياً وتحويل الرمز إلى متراس سياسي يمزق نسيج الأمة.
إن حماية الوعل ككائن بيئي مهدد بالانقراض، والدعوة لوقف الصيد الجائر في ودياننا، هو مطلب بيئي مشروع وعقلاني يدعمه الجميع؛ لكن الخدعة تكمن في تحويل هذا المسار البيئي الحسي إلى قوالب أيديولوجية، وشحن رمزي مُسيس يُخرج الحيوان من بيئته الطبيعية ليدخله في أروقة الهندسة الفكرية البديلة. هذا المسار ليس وليد الصدمة أو الصدفة في حضرموت، بل هو امتداد لأجندة ثقافية نُفذت بحذافيرها في عدة دول عربية على مدار القرن الماضي. فقد رأينا هذا المخطط في لبنان عبر “النزعة الفنيقية” التي رعاها الانتداب الفرنسي لعزل لبنان عن محيطه العربي والإسلامي. ونشاهده يتجدد اليوم في مصر من خلال “الحركة الكميتية” التي تهاجم التاريخ الإسلامي علناً وتصفه بالاحتلال لتمرير علمانية تنبذ الأحكام الشرعية. كما نلمسه في العراق عبر المهرجانات الممولة خارجياً لإحياء الإرث السومري والبابلي لتقديمه للشباب كبديل مدني، والإيحاء مبطناً بأن التمسك بالدين هو سبب الدمار والخلاص يكمن في العودة للمدنية القديمة. ويتقاطع هذا المخطط محلياً وبشكل لافت مع تقارير متداولة تعري بوضوح طبيعة هذه التعبئة العنصرية والطائفية التي ترتدي ثوب الفلكلور لتطبيخ سرديات ممسوخة تفكك أواصر المجتمع وتغزل له ديناً قومياً بديلاً.
وحين نربط هذه النماذج الإقليمية بما يحدث في حضرموت اليوم، من ورش ومبادرات مدنية تفتتح في المكلا وسيئون بتمويلات خارجية، نجد الخيوط تلتقي في نقاط خطيرة. فالمنظمات الوافدة تعلم أن المجتمع الحضرمي محافظ بفطرته ولن يقبل دعوات علمانية صريحة، لذلك تستخدم الوعل والمسند كغطاء شرعي وأصيل محلياً لتمرير نقد الأعراف والتقاليد المستندة إلى الشريعة تحت لافتة التحرر الفكري، وبناء بديل عاطفي يحل فيه الاعتزاز العرقي والجغرافي الضيق تدريجياً محل الولاء للهوية الإسلامية الجامعة. ويتجسد هذا الضخ الميداني في استهداف عقول البراءة من خلال تنظيم مسابقة رسم للأطفال تروج لهذه الرمزية عبر الفضائيات، ويمتد لفرض الرمز كشعار رسمي لبعض الأندية الرياضية المعاصرة، ناهيك عن الاختراق المؤسسي والمالي عبر بصمات تمويلية لافتة وتغطيات إعلامية محلية. ويتعاظم التمرير الناعم في تفاصيل الحياة اليومية كما نراه في المبادرات التجارية لبعض الساعات الجدارية المعاصرة التي تعتمد الأرقام المسندية وشعار الوعل، لتسويقها كبديل مدني يتفوق على الساعات العالمية، مدعومة بآلة تدفق رقمي كاسح عبر قنوات يوتيوب، وتيك توك، وفيسبوك، وإنستغرام لتمرير هذا النمط الفكري الجديد كـ “موضة وثقافة”.
إن الاعتزاز بتاريخ حضرموت القديم وحضارتها الممتدة لآلاف السنين هو حق وأصالة، ولكن الخدعة تكمن في صياغة هذا التاريخ كـ “ند” أو “بديل” للدين. والحقيقة العلمية والتاريخية تؤكد أن ممالك حضرموت القديمة لم تنعزل يوماً داخل أسوار محلية ضيقة، بل كانت قوافل اللبان الحضرمي تجوب العالم وتتصل بالحضارات الأخرى؛ ومن ثمَّ فإن محاولة حصر الهوية اليوم في قوالب جغرافية وعرقية منغلقة باسم التاريخ، هو تشويه علمي للتاريخ الحضرمي نفسه قبل أن يكون خطراً فكرياً. إن عظمة حضرموت الحقيقية وذروة سنام مجدها لم تكتمل إلا عندما تشرّفت بنور الإسلام وصهرت جيناتها الحضارية في بوطقته؛ فبأخلاق الإسلام وصدق المعاملة، وبأربطة العلم والمساجد الممتدة من تريم إلى المكلا، انطلق أجدادنا التجار والدعاة ليفتحوا قلوب الملايين في شرق آسيا وأفريقيا، ناشرين المحبة والسلام لا الحروب والدمار.
إن المعركة اليوم هي معركة وعي وحصانة فكرية تتطلب يقظة تامة من النخب الفكرية والتربوية والشرعية في حضرموت. فالوعل وعلنا والتراث تراثنا، ونحن أولى بحفظه ورعايته في سياقه الثقافي الطبيعي، كإرث جيلٍ مضى لا كإطارٍ يُعاد تشكيله ليقيد جيل الغد.
وهنا نضع تساؤلاً جوهرياً يفرض نفسه بالنظر إلى تلك النماذج التاريخية التي شهدتها دول المنطقة؛ ألا يخشى المجتمع الحضرمي اليوم، وهو يرى هذا الاندفاع العاطفي نحو الأيقونات القديمة، أن يكون مستدرجاً — دون وعي — نحو ذات المسار الذي عزل مجتمعات أخرى عن محيطها وقيمها المشتركة؟ هل يمكن أن يمر هذا التكثيف الرمزي دون أن يترك أثراً على تجانسنا الثقافي والاجتماعي؟
إن الحذر كل الحذر ليس من التراث ذاته، بل من الاستدراج الناعم الذي يحول التقدير العفوي للتاريخ إلى مساحة للتجاذب أو الفراغ القيمي الذي قد تتوغل عبره مفاهيم غريبة تضر بوعي شبابنا. وعلينا أن نُعلم الأجيال أن فخر الحضرمي الحقيقي لم يتوقف عند حدود الماضي، بل اكتمل وتعاظم يوم أن أضاء الكون بأكمله بأخلاقه وحضارته الإنسانية الجامعة التي عبرت البحار والمحيطات، ليثبت للعالم أن الأمم الكبرى لا تحيا بالانعزال داخل قوالب تاريخية مجتزأة، وإنما برحابة قيمها التي تتسع للحاضر والمستقبل دون أن تفقد أصالتها.








