الأمطار تنبش الوجع ، ولكنها تنظِّف ..

الأحقاف نيوز / كلمة الأسبوع / خاص / 28 أغسطس 2025 م :

شكَّلت قوة المنخفض ( المداري ) الذي تعرَّضت لها بلادُنا خلال العشرة الأيّام الأخيرة فرصةً لتنشغل الذهنية الجمعية بفجيعتها مع الأمطار وتترك رموزَ المرحلة وزعاماتها لشأن خلافاتهم وتقسيم لحوم أضحياتهم من المكان والبشر ، حيث لم تذهب هذه الذهنية بعيداً بل انها تتمثَّل المرحلة _ أيضاً _ في تفاصيل الضرر وكارثية المحصِلة الأخيرة من سياسات التنصُّل عن المسئوليات وعبثية حكم جماعات المنطقة والقبيلة وعصابات اللحى التي تتلاعب بالدين كتلاعب الأطفال بالدُّمى .. كان شارعاً بذهنية موجوعة وقد أنهكته المراحل عند الوطن المائت في العقول والمنتشي عند ( المحفل ) توحُّشاً ؛ حيث الوجع هويَّة .. أو يكاد.

هذا الشارع المضطرب يسكت عندما يلملم أشلاءه من وحل المطر وهو يدرك أن القيادة لن تسمع تنهداته أو نشيجه العميق ، فيستطيب الصمت عن إمكانيات الغضب لأن مجالس الحكم منشغلة عن أوجاعه مهما عَظُمَت.

جاء المطر على تراكم من العبثية والإهمال ، وقشع الغطاء عمّا فعل الحكّام السابقون والحاليّون من أفعال إجرامية في حق المدن والناس ، وأن ما يعِتبره القادة من عمران غير منضبط ؛ وتوسعات عشوائية في المدن ؛ وطرق ومربعات خضراء إنما هو تزويق للجريمة الكبرى التي تختبئ تحت ألحفة الفساد والثروة التي رهنوا بها سلامةَ البشر ؛ إنما هم يشيِّعون الوطن والمواطنين إلى كارثتهم المقدَّرة لهم أبدياً في الوطن المطحَنة.

كانت الكوارث في عقلية الحكم في اليمن خلال السنوات السابقة منجاة له من استحقاقات وطنية أو أزمات كانت _ عادةً _ قائمة دائماً في مواجهته ، فتأتي الكارثة منقذا له مما عانى منه وقتَها ، فيقسم ( الزعيم ) الكعكة مع دائرته الحميمة ( الكعكة هنا هي التبرعات وأموال المنظمات وأرصدة مشاريع التعويضات ) ؛ وإن حرصت تلك الدائرة ( الملعونة ) أن لا يبقى للموجوعين أقل من الفتات أو أحقر من علاج يزيد الجرح عفناً من الكارثة بحد ذاتها. وهذا _ بالتأكيد _ ما يفكر فيه ( مجلس الثمانية ) عندما يستشيط عويلاً على أسماع العالم لتسويق الكارثة ( الرحمة ) من واقع أن أثرياء الإقليم العربي قد وعوا هذه الحقائق ، ولن يترعووا عن البصق على وجه كل باكٍ يأتي إليهم يستجدي النجدة.

لن تكون هناك إصلاحات لمسببات الكارثة خصوصاً وأنها _ أي الكارثة _ ستشكل عبئاً مالياً يتجاوز مقدرة الحكومة على فتح ملفات المعالجة بدون المساس برموز الفساد وأساطينه الذين هم قادرون على التغلب على أي تهديدات قد تمس نفوذهم المهول المعتمد دائماً على ميليشيات تمتد إلى مناطقية جشعة أو قَبَـلية متحالفة مع أطراف جهادية دينية تستطيع أن تجر البلاد إلى عواقب أشد من كوارث السيول وأدمى عليها من حربٍ حقيقية تأتي على ما بقي من حياة في الأماكن الغريقة بالسيول.

وإن كان ( سالم بن بريك ) رئيس الوزراء أكثر الغارقين في المعمعة وقد تكالبت عليه الأعباء وزادتها الأمطار تفصيلاً لم يكن محسوباً. هذا الشاب والذي أراد له (الكفيل) أن ينال إعجاب ومتابعة وثقة الشارع في معركته (النبيلة) مع عتاولة العملة والغلاء ؛ من رموز المرحلة الميتة من رؤساء وزعماء ووجاهات لا يحتملون أكثر من التفاتة حقيرة من شعب متعَب من الوجع الكبير.

…

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com