الأمة ليست ميتة ..الأمة عاملة نفسها ميتة

الأحقاف نيوز / خاص

كتب / عدنان باوزير

قطعاً الأمة ليست ميتة، ربما تكون مخدرة أو على الأرجح الأمة وللأسف الشديد متخاذلة وممسوخة ومتواطئة فيما يحاك ضدها من مؤامرات!

وهذه من أكبر المصائب التي ممكن أن تتخيلها، ومن أدنى درجات السقوط الحضاري والانحطاط الفكري والديني والأخلاقي، عندما ينجح الأعداء في تسخير الأمة نفسها لتخريب أو تخلف أوطانها، وتدمير قيمها ونخر ثقافتها، بأيدي أبناءها وبإرادتها وأن تصرف على ذلك أموالها الخاصة وإمكانياتها المادية والمعنوية الوفيرة.

وهذا أقصى ما يمكن أن يحلم به أعدائها المتربصون، فالأمر هنا لا يحتاج الى تسيير جيوش ولا صرف أموال طائلة، ولا حتى لنظرية مؤامرة يعلقون على مشاجبها عجزهم وقبحهم ويبررون سقوطهم، ما عاد الأمر يحتاج لأي جهد ولا وقت ولا أي شيء، فقط على طريقة المقولة الشعبية الشائعة (خذ منه وناوله).

ولا يحتاج الأمر حتى الى غزو ثقافي طويل وممنهج ولا حتى لحملات إعلامية منظمة وموجهة كما كنا نعتقد وكما كان عليه الحال في السابق، لقد أكتمل كل شيء، وتراكمت العثرات والنكبات والنكسات وبلغ السقوط أدنى درجات الحضيض، فليرتاح الأعداء فقد أثمرت جهودهم السابقة وآتت أكلها، فليرتاحوا وليجلسوا ويحطوا رجل فوق رجل ويراقبوا كيف تستميت الأمة لتدمير ذاتها بمنتهى الإخلاص لخيانتها وبمثابرة وتنافس عجيب ومثير للاستغراب وجدير بالشفقة وبالرثاء.

الأمة لم تمت بعد ويا ليتها ماتت لكان هذا أرحم لها بكثير وإكرام الميت دفنه.

هذه الأمة التي انسلخت عن تاريخها وتنكرت لتراثها الذي يعج بالمناسبة بالكثير من الأمجاد الوهمية والممتلئ بالكثير الكثير من الحشو والغث والهراء، والذي لم يخضع لمجرد محاولة تقييم أو نقد بناء جادة، حيث تفننت الأمة بوضع الكثير من الخطوط الحمراء والمحاذير الغبية لمنع أي عمل من هذا القبيل، وكانت بهذا انما تخفي رأسها في الرمال وتترك مؤخرتها وبطريقة مثيرة للسخرية مكشوفة أمام العواصف الهوجاء لتصبح نهباً لشتى فنون الاستباحة والهيمنة والاستغلال.

هذه الأمة التي تعبت من خوض معاركها العبثية الدامية ، وقد أرهقتها الخلافات واستنزفت طاقتها الصراعات البينية عبر العصور، ركنت أخيراً لدعة العيش، وسلمت قيادها لأولياء أمورها الرعناء والبلداء، وتحولت نخبها الى قطعان ماشية يقودونها الى حيث شاءوا وكيفما شاءوا ولا يهم، المهم أن يغدق عليهم ولي أمرهم بالرتب والمرتبات والامتيازات وفتات الفتات من حقوقهم الطبيعية والبديهية، وأمعنوا في الضلال وأضلوا معهم جموع الرعاع ولا فكاك، كل همهم فقط يتمحور حول إرضاء ولي أمرهم الخصي وأن لا يخرجهم من جنته أو يغضب عليهم، ومستعدون في سبيل ذلك لفعل لإلغاء عقولهم وقتل ضمائرهم وخيانة أمانتهم والتنكر لرسالتهم ولا يهم، فتحولت الكيانات العربية والإسلامية الى أسواق نخاسة تعج قطعان عبيد وجوار وإماء، والى حضائر لا يهتم قاطنوها بغير العلف فقط ولا فكاك.

أصبح يكفي أن يجلس ساكن البيت الأبيض أو الأحمر أو كيفما كان لونه ويضغط فقط على زر (الريموت) ويستمع بمشاهدة مسرحيات دراما هزلية سخيفة ودامية وتراجيدية في أغلب الأحيان وقليل من الكوميديا في ملهاة شيطانية مخزية وفاضحة.

لا الأمة لم تمت بدليل أنه عندما يريد المخرج فأنه وبضغطه زر تتفجر الشوارع في أي عاصمة عربية يريد بالملايين، وتبح الحناجر الشعارات مع أو ضد لا يهم، المهم أن هذه الأمة تفيق فجأة من سباتها وتنجز ما طُلب منها ثم تعود مرة أخرى لانبطاحها ولسباتها الأبدي وهكذا في أكثر دورات التاريخ سقوطاً وانحطاطا.

ليس هذا فحسب، فبضغطة زر أخرى وخلال أيام فقط وربما حتى ساعات، تتقاطر الحشود وتتزاحم الجحافل من أقصى أقاصي بلاد العُرب والإسلام للقتال بمنتهى الشراسة والشدة ضد الوجهة التي حددها لها شيطان البيت الأبيض ووكلاؤه بالمنطقة، ولا يهم كيف؟ أو لماذا؟ وتتجند نخبها الفاسدة لتبرير هذه الحروب وخلق الفتاوى المطلوبة وفلسفة الخيانة وشحذ همم القطعان، وتقدم أفدح الأثمان والتضحيات وتسيل الدماء أنهارا بل ويموت رعاعها (شهداء) ويتسابقون على العشاء مع الرسول (ص) في الجنة، كما هو الحال اليوم في سوريا وفي غير مكان وزمان.

غزة تدمر وتسوى بالأرض وتجوع وتُحاصر وتباد وحرفياً إبادة كاملة، ومن بعدها لبنان، ويوغل الكيان اللقيط بالقتل ويولغ بدماء الأبرياء ويعربد في واحدة من أقبح صور الظلم البواح والعنجهية والإجرام، ولم يتحرك أحد، أو ينبت زنيم ببنت شفة الا بكلمات العهر والتشفي والتواطيء في الجريمة، لماذا ؟؟ لأن الشيطان الأكبر لم يأذن أو يضغط على زر جهاز تحكمه عن بعد، بينما في سوريا الآن فقد أوعز لوكلائه بالتحرك في دورة دم جديدة من دورات النزيف السوري المتواصل فأستجاب وتحرك الجميع. ولا ندافع هنا عن النظام السوري ولا عن أي حد، نحن نراقب ونحلل بتجرد وحسب، فهو في النهاية نسخة من أي نظام عربي آخر، ولكن خطيئته الكبرى أنه ما يزال يمانع التطبيع وينتمي لمحور المقاومة في عصر تواطئ وخان القضية الجميع.

لا الأمة لم تمكت فهي ما تزال حية تتنفس ولكنها فقط ضيّعت وجهتها وفقدت بوصلتها وهذه نتيجة طبيعية لتحالفاتها الخاطئة وأغلاطها المتراكمة السابقة، فأضحت ألعوبة في يد الشيطان يحركها متى شاء ويوجهها الى حيث يشاء !!

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com